المنشورات

السبت، 8 نوفمبر، 2014

حدائق الروح

حدائق الروح لماهر سقا أميني
كتابٌ في أصله .. مجموعة من المقالات 
ومنها هذه المقالة: صيّادو الطيور 


قال مولانا جلال الدين الرومي: أنا طائر.. أنا بلبل.. أنا ببغاء، إذا قالوا لي: "ائت بصوت غير صوتك" فلن أكون قادراً على ذلك، عندما يكون لساني هو هذا، لا أستطيع أن أكون غير ذلك، خلافاً لمن تعلَّم أصوات الطيور وهو ليس طائراً، بل عدو للطيور وصياد لها، وهو يغني ويصفر لكي تخاله الطيور طائراً، ولو أمروه أن يأتي بصوت مختلف غير هذا الصوت لاستطاع، لأن ذلك الصوت عارية لديهم وليس لهم، يستطيعون أن يأتوا بصوت آخر لأنهم تعلموا أن يسرقوا أمتعة الناس.
بعض الدعاة والوعاظ يتعاملون مع الناس كالصيادين، يتعلمون لغاتهم ليسرقوا من أسرابهم وجماعاتهم أناساً يجعلونهم تابعين لهم أو لأسيادهم، المسألة بالنسبة إليهم معركة مَن يجمع إلى جماعته أكبر عدد من الناس، لأنهم في نظرهم الفرقة الناجية وجميع الفرق الأخرى في النار، وهم بقلوب السارقين، التي تنبض داخل أجسادهم، ليسوا حريصين على الطيور الشاردة أو السائرة بين أسراب أخرى بقدر ما هم حريصون على التكاثر كجماعة، وعلى تأكيد هوية هذه الجماعة بوصفها هويتهم، أناهم الأنانينة.
هؤلاء يقفلون كل أبواب السماء إلا الباب الذي يأتي من ناحيتهم، ويعتبرون طريقتهم ومشياخهم هم المنقذون من النار، أما الآخرون فهم إلى سوء المصير، وهم لا يتركون فرصة إلا للنيل من فلان، حياً كان أو ميتاً، أو للنيل من هذه الجماعة، كبرت أو صغرت.
ولما كانت قلوبهم قلوب السارقين ومقاصدهم مقاصد السارقين، فإن شدوهم مستعار وتغريدهم مزيف لا يصل إلى القلوب، تغريد البلابل الحقيقي هو وحده القادر على مس الروح والوصول إلى شغاف القلوب، أما أصحاب الأفخاخ فمهما تقننوا في تقليد الأصوات فهم مجرد مقلِّدين، والتقليد في الدعوة إلى الله لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنه تزييف وتقليد في أشرف المنازل وأحوجها إلى الصدق والإخلاص .
وأمثال هؤلاء من يحاول تقليد تغريد البلابل ليسرقوا من جيوب السلاطين بعد أن يتقربوا منهم ببضاعتهم المزيفة، هؤلاء مستعدون لحفظ القرآن الكريم وكتب الأحاديث ليشتروا بها ثمناً قليلاً، ترى تغريدهم أشبه بالأصوات المضحكة التي تنشأ عن ألعاب الأطفال، فهو لا يستجلب غير الضحك أو الملل، ترى الواحد منهم يطول ويقصر وينتفخ ويتضائل وهو يخطب في حضرة السلطان، وهذا الأخير هو أول من يستخف به ويشعر بنفاقه، وقد قال لي أحد المقربين من أحد الفراعنة: إن الفرعون قد يروق له النفاق أيام السعادة والرخاء، ولكنه أكثر ما يُغاظ عندما ينافقه المنافقون وهو في حزن أو هم، ولكن من تعلَّم أن يرتل آيات النفاق لا يعرف غيرها، مهما كان ترتيله مزعجاً ومؤلماً لسلطانه أو سيده.
"أنا طائر.. أنا بلبل.. أنا ببغاء"، هو تغريد الطائر الحقيقي والبلبل الحقيقي والببغاء الحقيقي، وهو لا يمكن أن يقلَّد من أحد لأنه صادر عن الفطرة، الطبيعة، الروح، القلب المنور بأنوار الحق، القلب الذي تعلم من أنوار الحق التواضع وأن الحكمة ليست حكراً على أحد… القلب الذي تعلم من أنوار الحق أن أبواب السماء مفتوحة للجميع… القلب الذي تعلم من أنوار الحق أن الله قريب… قريب من جميع عباده، وأنه لا يضنُّ على سالك مخلص بخير… القلب الذي تعلم من أنوار الحق أن يفتح أبوبه لجميع السالكين… وأن يحب جميع السالكين… ما دام المنبع واحداً والمصدر واحداً ،القصد واحداً والغاية واحدة.
"أنا طائر.. أنا بلبل.. أنا ببغاء"، هي شهادة الصدق والإخلاص والتواضع وحب الله وعيال الله… هي شهادة تكسير آثار الران والأنا الصدئة من على القلب… هي شهادة السالك الحقيقي الذي لا يهدف إلى السرقة أو التجارة… هي شهادة الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)… هي شهادة أن تكون واحداً من تلاميذ مدرسة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، بحبه وعطفه حتى على عدوه، فيوم عرض عليه ﷺ أن يطبق الله على أهل الطائف الأخشبين، قال: (لعل الله يخلق من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله).
أما الصيادون السارقون والمنافقون فمهما حاولوا تقليد البلابل والببغاوات فإنهم سيبقون مجرد صيادين وسارقين، وسيلقون الله يوم القيامة على هذه الهيئة.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية

تابعنا عن طريق الأيميل