المنشورات

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2014

قصة موسى والراعي

قصة شهيرة لمولانا جلال الدّين الرومي  
موسى والراعي


رأى موسى راعياً على الطريق وكان هذا يردد :
" إلهي يامن تصطفي من تشاء
أين أنت حتى أصبح خادماً لك فأصلح نعليك وأمشط رأسك !
وأغسل ثيابك وأقتل ما بها من القمل وأحمل الحليب إليك ، أيها العظيم !
وأقبّل يدك اللطيفة وأمسح قدمك الرقيق ، وأنظّف مخدعك حين يجيء وقت المنام .
يا من فداؤك كل أغنامي ! ويا من لذكرك حنيني وهيامي ! "
وأخذ الراعي يردد هذا النمط من هراء القول .
ورآه موسى فناداه قائلاً : " مع من تتحدث أيها الرجل ؟ "
فقال الراعي : " مع ذلك الشخص الذي خلقنا . مع من ظهرت بقدرته هذه الأرض وتلك السموات " .
فقال موسى : " حذار ، إنك قد أوغلت في إدبارك ، وما غدوت بقولك هذا مسلماً بل صرت من الكافرين
ما هذا العبث وما هذا الكفر والهذيان ؟ ألا فلتحشُ فمك بقطعة من القطن .
إن نتن كفرك قد جعل العالم كلّه منتناً ! بل أن كفرك قد مزّق ديباجة الدين !
إن النعل والجورب يليقان بك . ولكن متى كان مثل هذين يليقان بالشمس ؟
فإن لم تغلق حلقك عن مثل هذا الكلام ، فإن ناراً سوف تندلع وتلتهم الخلق !
وإن لم تكن النار قد اندلعت فما هذا الدخان ؟ ولماذا أصبحت نفسك مسودة وروحك مردوداً ؟
وإن كنت تعلم أن الله هو الحاكم ، فكيف اعتقدت بمثل هذا السفه والوقاحة ؟
إن صداقة الحمق هي عين العداوة . وما أغنى الحق تعالى عن مثل هذه العبادة !
فمع من تتحدث ؟ أمع العم أم الخال ؟ وهل الجسم والحاجة من صفات ذي الجلال ؟
إن الحليب يشربه من يكون قابلاً للنشأة والنماء . والنعل يلبسه من هو بحاجة إلى القدم .
وحتى لو كان من القيل والقال موجها لعبد الله الذي قال عنه الحق : " انه ذاتي وأنا ذاته "
هذا العبد الذي هو مغزى حديث الحق : " مرضت فلم تعدني . لقد غدوت مريضاً ، وليس عبدي وحده هو الذي مرض "
لكان مقالك هذا عبثا وهراء في حق هذا العبد بعد أن غدوت له سمعاً وبصراً
إن التحدث بدون أدب مع خواص الحق يميت القلب ويجعل الصحائف سوداً .
فمع أن الرجال والنساء جميعاً من جنس واحد ، فإنك لو سمّيت رجلاً " فاطمة " ،
لسعى لقتلك إن وجد إلى ذلك سبيلا ، مع أنه قد يكون حسن الخلق حليما وادعا .
إن اسم فاطمة مدح في حق النساء ، لكنك لو دعوت رجلاً به كان كطعن السنان !
واليد والقدم هما في حقنا من صفات المديح ، لكنهما في حق الخالق المنزه ذم !
وقوله " لم يلد ولم يولد " هو الوصف اللائق به ، مع أنه خالق الوالد والمولود .
وكل ما كان جسما فالولادة صفة له . وكل ما يولد فهو من هذا الجانب من النهر .
ذلك لأنه من عالم الكون والفساد ، فهو مهين . ومن المحقق أنه حادث ويقتضي محدثاً "
فقال الراعي : يا موسى ، لقد ختمت على فمي ! وها أنت ذا قد أحرقت بالندم روحي !"
ومزّق ثيابه ، وتأوه ، ثم انطلق مسرعاً إلى الصحراء ، ومضى
فجاء موسى الوحي من الله قائلاً : " لقد أبعدت عني واحداً من عبادي !
فهل أتيت لعقد أواصر الوصل ، أم أنك جئت لإيقاع الفراق ؟
فما استطعت لا تخط خطوة نحو إيقاع الفراق ، فأبغض الحلال عندي هو الطلاق !
لقد وضعت لكل إنسان سيرة ، ووهبت كل رجل مصطلحاً للتعبير ، يكون في اعتباره مدحاً على حين أنه في اعتبارك ذم . ويكون في مذاقه شهداً وهو في مذاقك سم !
إنني منزّه عن كلّ طهر وتلوث ، وعن كلّ روح ثقلت في عبادتي أو خفّت .
والتكليف من جانبي لم يكن لربح أنشده . لكن ذلك كان لكي أنعم على عبادي .
فأهل الهند لهم أسلوبهم في المديح . ولأهل السند كذلك أسلوبهم .
ولست أغدو طاهراً بتسبيحهم ، بل هم المتطهرون بذلك ، الناثرون الدر .
ولسنا ننظر إلى اللسان والقال ، بل نحن ننظر إلى الباطن والحال .
فنظرنا انما هو لخشوع القلب ، حتى لو جاء اللسان مجرداً من الخشوع .
فالقلب يكون هو الجوهر ، أما الكلام فعرض . والعرض يأتي كالطفيلي أما الجوهر فهو المقصد والغرض .
فإلى متى هذه الألفاظ وذلك الإضمار والمجاز ؟ إني أطلب لهيب الحب ، فاحترق ، وتقرّب بهذا الاحتراق!
أشعل في روحك نارا من العشق ، ثم احرق بها كل فكر وكل عبارة !
يا موسى ! ان العارفين بالآداب نوع من الناس ، والذين تحترق نفوسهم وأرواحهم نوع آخر "
إن للعشاق احتراقا في كل لحظة ! وليس يفرض العشر والخراج على قرية خربة !
فلو أنه أخطأ في القول فلا تسمّه خاطئاً . وإن كان مجللاً بالدماء ، فلا تغسل الشهداء .
فالدم أولى بالشهداء من الماء ! وخطأ المحب خير من مائة صواب !
فليس في داخل الكعبة رسم للقبلة .
وأي ضرر يحيق بالغواص إن لم يلبس النعل الواقي من الغوص في الثلوج ؟
فلا تلتمس الهداية عند السكارى . وكيف تطلب من تهلهلت ثيابهم رفو تلك الثياب ؟
إن ملّة العشق قد انفصلت عن كافة الأديان . فمذهب العشاق وملتهم هو الله .
ولو لم يكن للياقوتة خاتم فلا ضير في ذلك . والعشق في خضم الأسى ليس مثيراً للأسى !
ولقد ألقى الله بعد ذلك أسراراً في أعماق قلب موسى ، ليست مما يباح به .
لقد تدفقت الكلمات إلى قلب موسى ، وامتزج الشهود بالكلام .
فكم ذهل عن ذاته وكم عاد إلى الوعي ! وكم طار محلقاً من الأزل إلى الأبد !
فلو أنني شرحت أكثر من هذا لكان من البلاهة . ذلك لأن شرح هذا يتجاوز علمنا .
ولو أنني ذكرته لاقتلعت العقول ! ولو أنني كتبته لانشق كثير من الأقلام !
فحين سمع موسى هذا العتاب من الحق ، هرع وراء الراعي موغلاً في البيداء .
وانطلق مقتفياً آثار قدمي ذلك الحيران . فكان ينثر الغبار من أذيال الصحراء .
وإن خطوة قدم الإنسان الموله لهي متميزة عن خطى الآخرين .
فتارة يمضي مستقيماًكالرخ من القمة نحو القرار . وتارة يمضي بخطى متقاطعة مثل الفيل .
وتارة يمضي كالموج متطاولاً رافعاً علمه ، وتارة يمضي زاحفاً فوق بطنه كالسمكة .
وتارة يخط وصف حاله فوق التراب ، كالرمّال الذي يضرب الرمال .
وفي النهاية أدرك موسى الراعي ورآه ، وقال البشير للراعي : "إن الإذن قد جاء !
فلا تلتمس آ داباً ولا ترتيباً ، وانطق بكل ما يبتغيه قلبك الشجيّ !
إن كفرك دين ، ودينك نور للروح ! وإنك لآمن ، والعالم بك في أمان !
أيها المعافى ! إن الله يفعل ما يشاء . فاذهب ، واطلق لسانك بدون محاباة "
فقال الراعي : " يا موسى . إني قد تجاوزت ذلك . إنني الآن مجلل بدماء قلبي !
لقد تجاوزت سدرة المنتهى . وخطوت مائة ألف عام في ذلك الجانب !
إنك قد أعملت سوطك ، فدار حصاني ، فبلغ قبة السماء ، ثم تجاوز الآفاق !
فعسى الله أن يجعل جوهرنا الإنساني نجي سر لاهوته . وليبارك الله لك يدك وساعدك !

فالآن قد تجاوز حالي نطاق القول . فهذا الذي أقوله ليس حقيقة حالي " .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية

تابعنا عن طريق الأيميل