المنشورات

الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

كلمة الشيخة هيا راشد آل خليفة بمناسبة الذكرى الثمانمائة لميلاد جلال الدين الرومي


كلمة سعادة الشيخة هيا راشد آل خليفة
رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة
بمناسبة الذكرى الثمانمائة لميلاد جلال الدين الرومي 

مقرّ الأمم المتحدة، نيويورك

26 حزيران/يونيه 2007


أصحاب السعادة
السيدات والسادة،
"لو وَهَبتَني قلماً لحطّمتُ به السيوفَ والرماح"، هذه العبارة المُشرِقَة التي وردت في كتاب "المثنوي" للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي الذي يحتفلُ العالمُ اليوم بمرور ثمانمئة عام على ولادته، تكشفُ الرؤية التي وَسَمَت حياةَ الرومي ونتاجَه بهذا الطابع الجمالي والإنساني، وشكّلت، على مرِّ العصور، أمثولةً في الحبّ والتسامح واحترام الآخر مهما كانت هويّته ومهما كان انتماؤه.
إنَّ رهان جلال الدين الرومي على العلم والمعرفة بَيِّنٌ في مؤلّفاته، ولطالما تحدّثَ عن فضيلةِ العلمِ ومنافعه، فاعتبرَ أنّه "بفضلِ العلم، لم تبقَ لمخلوقاتِ البحار، ولا الجبال، ولا الصحارى حيلة أمام الإنسان". وهو الذي قال: "إنّ العلمَ خاتَمُ سليمان، فالعالمُ كلُّه صورة والعلمُ هو الروح".
ولا يغفل جلال الدين الرومي عن دورِ النقد وضرورته في تبيان الصحّ من الخطأ، وهذا ما يتّضحُ جلياً في عبارته: "لو لم يكن النقدُ الصحيح منتشراً في الدنيا فهل كان يمكن إصدارُ النقدِ الزائف؟". والانحياز إلى هذه النظرة النقدية المتفحِّصة تطالعنا في الحكاية التي يرويها الرومي عن ذاك السلطان الكبير الذي جاء لزيارةِ بلدٍ يتألّف سكّانُه من العميان. وحين أقبلَ هؤلاء ليتعرّفوا على السلطان وفيله، راحَ كلٌّ منهم يلمس الفيل ويصف الجزء الذي يتحسسه كأنه هو الفيل، ولم يتمكّن أحد منهم أن يكوِّنَ تصوّراً عن هذا الحيوان الضخم بكلِّيَّته. وتنطوي هذه الحكاية على إشارةٍ عميقة إلى خطورة النظرة الجزئية للواقع وإلى التَّوق إلى المعرفةِ الشاملة.
هذه الدعوة المعرفيّة لا تَمَسّ الجانبَ الروحاني فقط في نتاج الرومي وإنما تطال أيضاً نظرته إلى الحياة والعالم، وتطال مواقفه الكثيرة المتعدّدة في أحوالِ الدنيا.
يُبهِرُنا الرومي أيضاً في كلامه عن المساواة بين المرأة والرجل، وفي الطريقة التي يدافع بها عن هذه المساواة. ففي حديثه عن الناي وتأثير إيقاعاته التي "تطال الرجال والنساء معاً"، كما في مواضع أخرى من أشعاره، يؤكّد الرومي على الشبه بين الرجل والمرأة بصفتهما شريكَين في الحنين إلى أصل واحد، هو الخالق.
ومن الطبيعي أن ينظرَ الرومي بعينٍ متساوية للرجل والمرأة طالما أنه ينظر لكائناتِ الطبيعة بأكملها على أنها نتاجُ الخالق. وحين يتطرّق إلى ثنائياتِ الوجود فهو يتناولها ليشيعَ مناخاً من الأمل. يتحدّث عن الحَجَر الصلد كيف يغدو أخضرَ في الربيع، وكيف ينبتُ الوردُ بمختلف ألوانه من التراب، وكيف أنَّ الشذى هو "الدليل والقائد الذي يمضي بنا إلى الخُلد والكَوثَر". فالشذى دواء للعين يمنحها النور، والغناء، كالموسيقى، "يقيم القيامة".
لقد أولى جلال الدين الرومي اهتماماً كبيراً بالموسيقى، بصفتها أحد التعابير الراقية عن الجمال والتناسق، فجعلها في مكانة خاصة متميّزاً في ذلك عما درجَت عليه الطُّرُق الصوفية ومدارس التصوف. وقد بلغت أنسنَتَه للكائنات والأشياء من حوله مستوى رفيعاً يطالعنا في هذا البيت الشعري الشهير: "استمع للناي كيف يقصّ حكايته. إنه يشكو آلام الفراق".
احتفال الحواسّ هذا عند جلال الدين الرومي هو احتفال بالحياة نفسها وبخالقها. إنَّ تجربةَ الشاعرِ الصوفي هي إحدى التجاربِ الروحيةِ المميزة في التاريخِ الإنساني. وثمة حاجةٌ إلى الالتفاتِ إليها في خضمِّ الصراعات والنزاعات التي يعيشها عالمنا اليوم.

أصحاب السعادة
السيدات والسادة،
جلال الدين الرومي كمعظم المبدعين الكبار لا ينتمي إلى عصره فقط وإنما إلى مختلف العصور لأن الموضوعات التي اختارها إنما تصبّ في البعد الإنساني والكوني الشامل الذي تبطل معه الفواصل والحدود.
إنَّ الثقافةَ الصوفية التي أسسها جلال الدين الرومي هي بمثابة الجوهر الذي يحرّر الدين من القراءات المتشددة ويحثّ على التأمّل لا سيّما في مرحلة أصبح فيها الإسلام مقروناً، عند البعض، بالتطرّف والإرهاب، وأصبح تزايد الارتياب بين الناس من مختلف الثقافات والأديان سمة أساسية لهذا العصر.
ولأنَّ الوسيلةَ المثلى للوصول إلى الله هي القلب، فقد آمن الرومي بأن عبادة أي منا لا يمكن اعتبارها طريقة ننتمي إليها بقدر ما هي دعوة إلى إقامة الدنيا على أسس المحبة الصادقة، وهو بهذا المعنى ينظر إلى الحياة كلها من خلال الحب، ويعتبر أنّ "الحب كالغصن حين يغرس في القلب فإنه يثمر على قدر العقل".
وعلينا، نحن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أن نستحضرَ روحَ الرومي في جهودنا المتضافرة من أجلِ التصدي للتحدياتِ الجسام التي ينوءُ بها عالمنا اليوم، لأنَّ رسالتَه تقوم على المثُل العليا والمقاصد السامية التي أنشئت هذه المنظمة على أساسها. ومن تلكَ المثُل والمقاصِد اعتبارُهُ أنّ الصدَمات التي نتعرّض لها خلال تجربتنا ومسارِنا يجب ألاّ تكون عذراً لليأس والتشاؤم، وإنما عامل إيجابي يساعد على صَقلِ جهودِنا وقوانا المشترَكة.
أودّ أخيراً أن أتوجَّهَ بالشكر الجزيل إلى البعثات الدائمة لأفغانستان وإيران وتركيا على تنظيم هذا الحدث الهام.

شكراً لكم.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية

تابعنا عن طريق الأيميل