المنشورات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المثنوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المثنوي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 20 ديسمبر 2014

شمس تبريزي بين الدنيا والآخرة

شمس تبريزي بين الدنيا والآخرة
بقلم: خالد محمد عبده
عندما أطلّ وجه حبيبي الشبيه بالقمر من أكون أنا؟ من أنا؟
فقد وُجِدتُ في تلك اللحظةِ وأنا بلا ذات
[الرومي-المجالس السّبعة].


نحفظ جملة من الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، منذ نعومة أظفارنا، أغلبها يزهّد في الدنيا ويرى فيها دار شر وشهوات، ولا يرى الخير إلاّ في الآخرة دار البقاء والنعيم الأبدي، وعلى قدر ما يزهد الإنسان في الدنيا يقترب من نعيم الآخرة، فالتعلق بالدنيا تعلّق بالزائل والوهم ينبغي التطهّر منه.
 ومن جملة هذه الأحاديث التي نربط بينها وبين هذه المعاني : "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" والحديث عند أهل الصناعة الحديثية صحيحٌ، رواه الإمام مسلمُ في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق، وهو عند الصوفية من الأحاديث التي يُعوّل عليها في تأسيس التصوف على سنة النبي، ويحلو لكل من يكتب عن مصدرية التصوف الإسلامي أن يستند إلى هذا الحديث، ليؤصّل التصوف في الإسلام، ويدافع عنه ضد من يرى أن التصوف دخيل، أو أنه يرتد إلى الحضارات السابقة هندية كانت أو غيرها.
ويلفت النظر في كلام شمس صنو مولانا جلال الدين الرومي وسر ميلاده العرفاني أنه يعلق على هذا الحديث بما يجعلنا نقف قليلاً معه لكتابة هذه السطور، يقول شمس في كتاب المقالات المنسوب إليه: "يدركني العجبُ من هذا الحديث (الدنيا سجنُ المؤمن) لأنني لم أر سجنًا، بل رأيتُ سعادةً، رأيتُ كلّ عِزّةٍ، رأيتُ كُلَّ حُظوةٍ" وفي سياق آخر من المقالات يقول: " لم أقلقْ من أيٍّ من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام إلاّ من هذا الحديث، لأنني لم أر سجنًا".

من يتابع سيرة شمس كما ترويها المصادر يعرف أنه لم يكن يستقر في مكان، وظلّ يبحث عن الصُحبة والتحقق عمرًا طويلاً، ومن مكان إلى مكان ينتقل ولا يجد ما يبحث عنه. وكيف كان شمس يحيا في سعادة ويتمنى الموت ويرى فداءه في قوله تعالي: "فتمنوا الموت"؟! فمن كلامه في المقالات: "إذا كان لديك الضياءُ والوجدُ الذي يجعلك مشتاقًا إلى الموت فبارك الله فيك، وهنيئًا لك، ولا تنسانا من دعائك، وإن لم يكن لديك مثل هذا النور والوجدُ فتدارك واطلب واجتهد؛ ذلك لأن القرآن يخبر بأنك إذا طلبت مثل هذه الحالة ظفرت بها، لكن اطلب "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" ومؤمنين، ومثلما أنه من الرجال صادقون ومؤمنون يطلبون من النساء مؤمناتٌ وصادقات".
نلاحظ أن الرومي يتفق مع شمس في نظرته للموت وفرحه به، لكنه ينطلق من فكرة أن الدنيا سجن، والجسد نفسه سجن للروح:
يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك
انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا
إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة
الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس
إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة
فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن
وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا.
يتسق قلق شمس تبريزي من حديث "الدنيا سجن المؤمن" مع منهجه ورؤيته للتصوف، فهو وإن كان صوفيًّا قد استغرق في المحبة وعاش تجربة العشق وصار ثملاً جوّالا، لا يستقر في مكان ويطلب المزيد ويطمح إلى التجريد، إلاّ أنه لم يسلّم بما سلّم به السابقون، ولم يكن راضيًا عن أحد من السابقين أو المعاصرين، ولم يكن يرى في أحدهم من يستحق أن يصبح شيخًا صوفيًا له أو يُنظر إليه بعين التبجيل!
فالشيخ الأكبر رضي الله عنه الذي وصف بالكبريت الأحمر انتقده شمسُ ورآه غير متابع لطريق النبي الأكرم ورأى كثيرًا من أفعاله خطأ بيّنًا! وكذلك لم يكن يرى البسطامي في عداد الأولياء وكثيرًا ما وجّه النقد إليه ورغم أنه في لقائه الأول بالرومي سأله عن أقوال البسطامي، وشرح له الرومي معانيها إلاّ أنه ظل ناقدًا لكثير من أقوال البسطامي كما يتضح ذلك من خلال المقالات التي رويت عنه.
 كما وجّه شمسُ نقدًا عنيفًا لمشايخ عصره، ولم يرض بأن يكون مريدًا خانعًا لأحدٍ منهم، على الرغم من معاصرته لأولياء كبار، وتوصف مدينته بأنها مدينة الأولياء.
وعليه فليس بمستغربٍ أن يرفض شمس ما قَبِلَه بعضُ العُبّاد والزُهّاد من رؤية الدنيا سجن، ورؤيته لها محل سعادة وسرور. ويمكن أن نلتمس في كلام سيدي علي الخواص ما يجلّي لنا معاني كلمات شمس السابقة، فمن جملة الأسئلة التي توجّه الإمام الشعراني بها إلى شيخه الخوّاص سؤالاً يتعلق بهذا الموضوع، حفظه لنا الشعراني في كتابه الجواهر والدرر.
يقول الشعراني: سألتُ شيخنا فأيّما أكمل في النشأة الدنيا أم الآخرة؟ فقال: الدنيا. فقلتُ له: كيف؟ فقال رضي الله عنه: لأن الدّنيا دار تمييز وأخلاط، والآخرة دار تمييز فقط، فتميز السعداء من الأشقياء، فكلُّ ما في الآخرة هو في الدنيا بلا شك، ولكن لما كانت دار حجاب، فمنّا من كُشف له عن ذلك فعَرفَهُ، ومنّا من لم يُكشف له فجهله.
فقلتُ له: فكيف صحّ للأكابر ذمُّ الدنيا مع هذا الكمال؟ فقال رضي الله عنه: لم يقع الذّمُ للدنيا من الأكابر وإنما وقع من بعض العباد والزّهاد الذين لم يسلكوا على يد الأشياخ. وإن وقع من أحدٍ من الأكابر ذمّها فإنما هو تبعٌ للشارع في قوله (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه) فما ذمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الدّنيا لذاتِها وإنما لما فيها من الشرور والأنكاد والحجاب عن الله عزّ وجل وعلى هذا يُحمل قول بعض العارفين.
ويكمل الشعراني رواية عن شيخه قائلاً: وسمعته كثيرًا يقول: من ذمَّ عين الدّنيا فقد عقَّ أمَّه، فجميع الأنكاد والشرور التي ينسبها الناسُ إلى الدنيا ليس هو فعلُها وإنما هو فعلُ أولادها؛ لأن الشر فعلُ المكلّفِ، لا فعلُ الدّنيا.
 فهي مطيّةٌ للعبد عليها يبلغُ الخير وبها يبلغ الشرَّ، وهي لا تُحبُّ أن يشقى أولادها لكثرة حنوّها عليهم، وتخاف أن تأخذهم الضُّرة الأخرى على غير أهبة مع كونها ما ولدتهم ولا تعبت في تربيتهم، ومن عقوق أولادها أنهم ينسبون جميع أفعال الخير إلى الآخرة، ويقولون أعمال أولاد الآخرة وأعمال الآخرة! والحالُ أنهم ما عملوا تلك الأعمال الصالحة إلاّ في الدنيا. فللدنيا أجرُ المصيبة التي في أولادها ومن أولادها!
فما أنصفَ من ذمّها بل هو جاهلٌ بحقِّ أمّه، ومن كان كذلك، فهو بحق الحديثِ إذا قال العبدُ: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه عزّ وجل، والله تعالى أعلم.



الجمعة، 12 ديسمبر 2014

مؤلفات عربية عن الرّومي 1- فصولٌ من المثنوي

فصولٌ من المثنوي
(1)
تقديم: خالد محمد عبده


فصولٌ من المثنوي كتاب للأستاذ عبد الوهاب عزّام، عرض فیه صورًا من‌ کتاب المثنوی لمولانا جلال الدین الرومی، وهو الكتاب  الشهير للرومي، الذي قال عنه العلاّمة فروزانفر (المثنوي کتابُ حکمة وفلسفة وأخلاق وذوق وحال وتربیة ومعارف‌ اجتماعیة) وشاعت تسمیة المثنوي «القرآن فی اللغة الفارسیة» أو (القرآن بالبهلوي) وهي تسمية لا تدل على أن أهل فارس اتخذوا من المثنوي قرانًا وتخلوا عن (القرآن الكريم) بل يظهر منها اهتمامهم بهذا الكتاب الذي يُعد من أهم الكتب الصوفية والعرفانية التي كُتبت باللغة الفارسية، وأن علّق البعض على هذه التسمية بشكل سلبيّ خاصة أهل التيار السلفي والمخاصمين للتصوف، فإن تعليقهم صادر عن خلطهم بين ما يصدر عن إيران من كتابات واهتمام ببعض علماء الإسلام وبين ما يعتقدونه ويدينون به.
على أن تقديس الكتب وإن عرفه أهل إيران وهو منقبة لا مسلبة، فإن التيار السلفي يقدّس من الكتب ما لا يُحصى ومن الشخصيات ما يراه على صواب دومًا، فالفعل مشترك إن صح أن يُدان أحد لاهتمامه بكتاب أو شخص، فالإدانة واقعة عليهم أيضًا.
ما معنى كلمة مثنوي ؟
 تطلقُ کلمةُ (مثنوی) في الاصطلاح الأدبي علی الأشعار التی لشطري کل بیت‌ منها قافیة واحدة، وهي فی مجموعها متماثلة الوزن مختلفة الروی؛ وقد کان هذا النوع من الشعر موجودًا من أقدم العهود في اللغة الفارسیة، واعتمده الشعراء الفرس منذ أن نما وتطوّر الشعر الفارسی، فنحن نجده في (کلیلة ودمنة) المنظومة للرودکي، و(آفرین نامه) لأبي شكور وأمثالهما، ولكن كلمة (المثنوي) حیثما قیلت أو أطلقت فلا ينصرف الذهن إلاّ إلى مثنوی مولانا جلال الدین الرومي[1].
من هو عبد الوهاب عزّام؟
يعتبر الأستاذ عبد الوهاب عزّام طليعة المدرسة المصرية في الدراسات الشرقية[2]، التي بدأت ارتأت أن العناية بالدراسات الفارسية سبيلاً من السبل الهامة لفهم الحضارة الإسلامية، خاض الأستاذ عزّام هذا الميدان وعمل فيه بأسلوب علمي راقٍ، من خلال مطالعته لتراث الإسلام في لغتيه العربية والفارسية، وكذلك من خلال مطالعته على الثقافة الغربية واتصاله بالأساتذة المتخصصين فترة دراسته في الخارج، وبعد عودته ظلّ على اتصال بهؤلاء، نذكر منهم المستشرق الإنجليزي نيكلسون الذي اشتهر بدراساته الأدبية والصوفية، وتقاطع اهتمام عزّام بالرّومي والعطّار وغيرهما من أعلام التصوف الفارسي معه. كتّب عزّام عن نيكلسون في مجلّة الرسالة ليعرّف القراء به، كما عرّفهم بغيره من أعلام المستشرقين، وعلى الرغم من محبته الصادقة لهؤلاء الدارسين إلاّ أنه لم يتابعهم في كل ما كتبوه عن التصوف وساجلهم في بحوثه ومقالاته وكتبه.
لم يكن كتاب فصول من المثنوي هو الثمرة الأولى التي خرجت من حديقة عزّام عن التصوف وأعلامه، فقد سبقه بإصدار كتاب هام في وقته عن التصوف وفريد الدين العطّار وظل الكتاب حتى يومنا هذا حاضرًا في المجال الدراسي والصوفي لمن أراد أن يتعرّف على عطّار نيسابور.
فريدُ الدّين العطّار صاحب منطق الطّير وإلهي نامه ومصيبت نامه أحد أشهر ثلاثة ارتبطت أشعارهم بالتصوف الإسلامي أوّلهم سنائي الغزنوي صاحب حديقة الحقيقة التي تأثر بها مولانا جلال الدّين الرومي تأثّرا بالغًا في كتابة المثنوي، وثانيهم العطّار، وثالثهم وأعظمهم وأشهرهم اليوم جلال الدين الرومي[3].
ويعد عطّار نيسابور أحد الآباء الروحيين للرومي، فالكتابة عنه تمهيد ومفتتح لبستان الرومي الكبير، فضلاً عن أصالة العطار وقيمته. بدأ عزّام كتابه عن العطّار بدراسة تمهيدية عن التّصوف كيف نشأ وكيف تطوّر في فصلين، وناقش فيهما آراء المستشرقين في مصدرية التصوف وتطوره،  ثم أصّل للتصوف من خلال آيات القرآن وأحاديث النبي الأكرم، ثم عقد بابًا للحديث عن التصوّف والأدب، ثم دراسة موجزة لإنتاج فريد الدين العطار، وفي الباب الرابع تناول تصوّف العطّار في خمة فصول على النحو التالي:
1- طريق المعرفة عند العطّار
2- الله والعالم والإنسان
3-القضاء والقدر
4-الطريقة
5-تصوّفُ العطّار والإسلام[4].
"إن ابنك هذا سيُضرمُ النّار سريعًا في هشيم العالم"[5]. نُسبت هذه الجملة في (تذكرة دولتشاه) إلى فريد الدين العطار متحدثًا مع بهاء ولد بعد أن وصل إلى نيسابور ومعه ابنه جلال الدّين الرومي.
مولانا واصفًا المثنوي
يصف جلال الدين الرومي خلاصة سيره الفكري وعصارة عرفانه الذي سجّله في المثنوي قائلاً : مثنوينا هو المحبوب المعنوي، الذي لا نظير له في الجمال والكمال، كذلك هو بستانٌ مهيّأٌ وشجرةٌ مهنّأةٌ صُنعت من أجل مجلويّ القلوب أصحاب النظرِ والعشّاق المحترقي الأكباد، فما أسعد الرّوحَ الذي يغدو محظوظًا بمشاهدة حسناء الغيب هذه، ويغدو ملحوظًا نظر عناية رجال الله لكي يدوّن في دفتر (نعم العبدٌ إنّه أوّابٌ).
ومما يُروى من جميل كلام الرومي عن المثنوي، أنه كان قد كتب على ظهر المثنوي: "لم أنظم المثنوي لكي يُجعل وشاحًا ويُكرّر، بل لكي يُوضع تحت القدمِ ويُصعد به إلى السّماء لأن المثنوي هو سُلّم معراج الحقائق، وليس من شأنك أن تحمل السلّم على رقبتك وتدور من مدينة إلى مدينة، فإنك لن تصعد إلى سقف المقصود ولن تصل إلى مراد القلب[6].
 فصولٌ من المثنوي
كان الأستاذ عزّام من أوائل من اهتموا بتعريف القارئ العربي بجلال الدين الرومي، على صفحات مجلة الرسالة المصرية، فَتَحْت بابِ الأدبِ الفارسي كتبَ عدةَ مقالاتٍ في هذا الشأن، وكذلك فعَلَ على صفحاتِ مجلةِ الثقافةِ المصرية، ونُشرت المقالات في الأعداد (165، 167، 168، 169) من السنة الرابعة عام 1942م.
ثم نشر الأستاذ عزّام بعد ذلك كتابه بعنوان «فصول من المثنوي» فى عام  1946، جمع فيه هذه المقالات التي سبق له نشرها، وجعلها مقدِّمة لفصولٍ ترجمها عن المثنوي. وهذه الفصول هي: «قصة التاجر و الببغاء» و«قصة الأسد والوحوش» من المجلد الأول، ثم مقدمة الجزء الثالث من المثنوي. وترجمة القصة الأولى منظومة، وقد قرن فيها الترجمة العربيّة بالنصّ الفارسيّ، وبلغ عدد الأبيات المترجمة نحواً من ستمائة بيت[7].
كما نشر الأستاذ عزام فصلاً موجزًا في التعريف بجلال الدين الرومي في كتاب «قصة الأدب في العالم»[8] ، وضمّنه منظومة لمقدمة المثنوي.
في فصول من المثنوي صدّر عزّام كتابه ببيتين من أشعار الرّومي أولهما: أين صدرٌ من فراق مُزقّا كي أبثّ الوجد فيه حرقا. والبيت الآخر يخلص الرّومي فيه مسيرته في كلمات ثلاث: حاصلُ العمرُ حوته أحرُفٌ: كنتُ نيئًا قبلُ.. أُنضِجتُ .. احترقتُ.
وفي مقدمة الفصول يعتبر عزّام كتابه فاتحة لترجمات وأبحاث في الأدب الصوفي سيخصص جزءًا كبير من جهوده للقيام بها. ويبدأ سيرة الرومي بعبارة تدل على حضوره في العالم العربي (تكايا المولوية لا تزال قائمة في مصر والشّام ص 11) لكنها لم تعد كذلك اليوم كما كانت وقت كتابة عزّام لكتابه (عام 1946)، وتحوّلت آثار المولوية إلى أماكن مُتحفية تُزار للتصوير، لا ذكر فيها ولا تلاوة للمثنوي.
وتأكيدًا على عظمة وأهمية كتاب المثنوي يذكر عزّام -ويتابعه الدارسون للرومي بالعربية- كلمة عبد الرحمن الجامي (تُوفي 898هـ.ق) في شأن المثنوي: ( إن كنت عالمًا بأسرار المعرفة فدع اللفظ واقصد المعنى: إن المثنوي المعنوي المولوي هو القرآن، في اللسان الفارسي. ماذا أقول في وصف هذا العظيم؟ لم يكن نبيًّا ولكنه أوتي الكتاب)[9].
يعلّق فريد قطاط على هذه المقولة المنسوبة للجامي قائلاً: هذا القول جزء من بيت شعري ورد ضمن قطعة شعرية نسبها نيكلسون في الصفحة الثانية من شرحه للمثنوي وآنّا ماري شيمل في الصفحة 315 من كتابها الشمس المنتصرة إلى الشاعر الشهير عبد الرحمن جامي، لكن سيد تقي آل ياسين أكّد أن هذه النسبة خاطئة في مقاله (المثنوي قرآن الشعر الفارسي)[10].
وينتقل عزّام للحديث عن سيرة الرّومي، ويكتفي بذكر اسمه مبتعدًا عن الخلاف والنزاع في شأن نسبته إلى أبي بكر الصدّيق أو تنازع العرب والفرس عليه، مكتفيًا بتلخيص ذلك بذكره لبيت شعري عربي : أبي الإسلامُ لا أب لي سواه .. إذا افتخروا بقيس أو تميم .
ويتحدث عزّام عن والد الرومي بشيء من الإيجاز وعن رحلته وأسفاره حتى يستقر به المقام في قونيه، ثم ينتقل للحديث عن الرومي وشيوخه وتعلّمه، ويفرد لشمس تبريزي حديثًا خاصًا، ويرجع نسبه إلى أصول إسماعيلية -كما فعل عارف تامر[11] ومصطفى غالب عند الحديث عن شمس تبريزي- ويعيّن عزّام شمسًا فهو ليس صوفيًّا جوّالا مجهولا أو غامضة سيرته، بل هو سالك له سند في الطريقة الصوفية تلقى التصوف على مشايخ بعينهم، وقد هاجر من موطنه استجابة لأمر شيخه (فصول ص 16).
ويعتبر عزّام المثنوي منظومة صوفية فلسفية عظيمة، ولحسام الدين جلبي في الكتاب دورٌ لا يقلُّ عن دور شمس تبريزي في الديوان، إذ كانت طريقة تدوين المثنوي أن يُملي الرومي الكتاب وحُسام يكتبُ، وكانا أحيانًا يقطعان الليل كله إنشاءً وكتابة، تدلُّ على هذا الروايات وفصولٌ من المثنوي نفسه.
ورغم أن الرومي نظم المثنوي على وزن معين، إلاّ أنه لم يكن منشغلاً مستغرقًا في في النظم، وسرعان ما نقله الشاغل اللفظي إلى الحبيب المشغول به، يقول الرومي في قصة التاجر والببغاء: أفكرُ في القافية وحبيبي يقول لا تفكّر إلاّ في رؤيتي. اطمئن أيها المفكر في القافية، فأنت قافية السعادة أمامي. ما الحرفُ فتفكّر فيه؟ إنه الشوق في جدار البستان. إني أمحقُ القول والحرف والصوتَ لأناجيك بغير هذه الثلاث. أفشي إليك السرّ الذي أخفيته عن آدم يا سرَّ العالمِ... إن الذي أحسه وراء الصوت والحرف، بل وراء الأسماع والأفهام.
بعد حديث عزّام عن المثنوي وأسلوب جلال الدين الرومي، يورد ما اصطلح على تسميته (أغنية الناي) التي شاعت وانتشرت في اللغة الإنجليزية عبر الترجمة، وكان عزّام قد ترجمها إلى العربية منذ وقت مبكّر وأدرجها  في كتاب قصة الأدب في العالم الذي أحلنا عليه في هذا المقال قبل قليل، ومنها:
استمع للناي غنّى وحكى شفّه الوجد طويلاً فشكى
مذ نأى الغابُ وكان الوطنا ملأ الناس أنيني شجنا
أين صدرٌ من فراق مُزقّا كي أبثِّ الوجد فيه حُرَقا
من تشرِّده النوى من أصله يبتغي الرُجعى لمَغْنَى وصله
كلُّ نادٍ قد رآني نادبا كلّ قوم تخِذوني صاحبا
ظنّ كلٌّ أنّني نعم السمير ليس يدري أيّ سرّ في الضمير (فصول، ص22)[12].
ثم يخصص عزّام حديثًا لديوان الرومي (غزليات شمس تبريزي) بعد حديثه عن المثنوي، ويفرّق عزّام بين المثنوي والديوان على النحو التالي: الفرقُ بين المثنوي والديوان أن الأول منظومة واحدة في وزن واحد من التقفية، وفيها تعليم بين تفسير آية وشرح قصة وضرب مثلٍ، وإن كان هذا كله متصلاً بمقصده الأخير حبُّ الله والفناء فيه، فجلال الدين الرومي في المثنوي أستاذ معلّم مختلف الأساليب، يخاطب وينصح ويعظ، وينتقل بتلاميذه من فن إلى آخر، ويغلبه الوجد بين الحين والحين، فيرتمي في البحر الذي لا يعرف سابحه أو غريقه ساحلاً. وأمّا الديوان فهو قصائد قصيرة يغلبُ فيها فورة الشعر وخياله فهو من هذه الناحية أعلى من المثنوي وأدق، وأدخل في الشعر، ويكثر فيه الرمز، ويجود فيه التصوير، ومنه:
هذه الدار لا تفتر فيها الألحان .. سل ربّها أي دارٍ هذه؟! إن كانت الكعبة فما صورة الصنم هذه؟ وإن كانت دير المجوس فما هذا النور الإلهي؟ في هذه الدّار كنزٌ يضيقُ به العالم.. وإنما هذه الدار وهذا السيد فعلٌ وذريعة.. أيّها السيد أطل علينا من الشرفة مرة! فإن في خدّك الجميل أمارة من الإقبال. أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك -ولو كان مُلك العالم- خيال وخرافة. (فصول، ص 24-25).
وفي الفصل المخصص للحديث عن آراء الرومي الفلسفية والأخلاقية والصوفية والدينية يقول عزّام: يتعذّر على الباحث أن يُجمل آراءه ولو في المسائل الكبرى، فإن مسألة واحدة منها تحتاج إلى فصلٍ أو أكثر، فقصارى المتكلم في مثل هذا المقام أن يعرض أمثلة من قوله في بعض المسائل. (فصول، ص25). وعليه فقد عرض عزّام لفكرة الفناء عند الرومي، والقضاء والقدر، بشكل موجز وسريع.
ثم شرع في ترجمة ما اعتزم أن يقدّمه للقراء كمختارات من المثنوي، فترجم قصة «التاجر والببغاء » و«قصة الأسد والوحوش» من المجلد الأول، ثم مقدمة الجزء الثالث من المثنوي. وترجمة القصة الأولى منظومة، وقد قرن فيها الترجمة العربيّة بالنصّ الفارسيّ، وبلغ عدد الأبيات المترجمة نحواً من ستمائة بيت.



لتحميل كتاب فصول من المثنوي (انقر هنا)



[1] راجع بديع الزمان فروزانفر، من بلخ إلى قونية، ترجمة عيسى علي العاكوب، نشرة دار الفكر سوريا2006، ص 243.
[2] : راجع  محمد عبد السلام كفافي، الدراسات الفارسية في مصر وجهود عبد الوهاب عزّام، مجلة الكتاب العربي، عدد 44، يناير 1969.
[3] : السابق نفسه، ص 25.
[4] : راجع عبد الوهّاب عزّام، التصوف وفريد الدّين العطّار، نشرة حديثة أعادت طباعتها مؤسسة هنداوي، القاهرة 2013.
[5] : راجع بديع الزمان فروزانفر، من بلخ إلى قونية، ترجمة عيسى علي العاكوب، نشرة دار الفكر سوريا2006، ص 49.
[6] : السابق نفسه، ص 249، 250.
[7] : راجع  محمد عبد السلام كفافي، مثنوي جلال الدين الرومي، الجزء الأول، نشرة المكتبة العصرية بيروت، ص62.
[8] : راجع احمد أمين و زكي نجيب محمود: قصة الأدب في العالم، ج‍ ١ ، ص 4٩٠ - 4٩٨ .
[9] : انظر فصول ص 11. وقارن مثنوي كفافي ص 43.
[10] : فريد قطاط "الرمزية والتمثيل في قصة العميان والفيل" وقائع الندوة التي أقيمت بمناسبة المئوية الثامنة لوفاة مولانا جلال الدين الرومي، نشرة المجمع التونسي للآداب والفنون، قرطاج 2009م،ص198.
[11] : فعل ذلك عارف تامر في مقالين له نُشرا في مجلة الدراسات الأدبية ببيروت، ومصطفى غالب في كتابه عن الرومي الذي نُشر في دار الأندلس ببيروت.
[12] :قارن ترجمة كفافي، المجلد الأول، ص 36: استمع للناي كيف يقصّ حكايته، فهو يشكو آلام الفراق (قائلاً) : إنني منذ قُطعت من منبت الغاب، والناس جميعاً يبكون لبكائي! إنني أنشد صدراً مزّقه الفراق، حتى أشرح له ألم الإشتياق. فكلّ إنسان أقام بعيداً عن أصله، يظلّ يبحث عن زمان وصله. لقد أصبحتُ أنوح فى كل مجتمع ونادٍ، وصرتُ قريناً للبائسين والسعداء. وقد ظنّ كلّ إنسان أنه قد أصبح لي رفيقاً، ولكنّ أحداً لم ينقّب عما كمُن فى باطني من الأسرار! وليس سرّي ببعيد عن نواحي، ولكن أنّى لعين ذلك النور، أو لأذن ذلك السمع الذي به تُدرك الأسرار.

الخميس، 11 ديسمبر 2014

شمس تبريزي سرُّ الرومي وميلاده

شمس تبريزي
سرُّ الرومي وميلاده
بقلم: خالد محمد عبده
لم يوجد الله حتى الآن على هذه الأرض من يمكن أن يكون شيخًا لمولانا جلال الدين الرومي، وهو ليس بشرًا ، ولكن لستُ من يكون مُريدًا أيضًا !
[شمس تبريزي-مقالات].

شكاية أهل العصور الفائتة في الإسلام، سواء في قربهم من زمن النبي مباشرة أو بعدهم عنه مئات الأعوام، وعبارة أنه (فسد الزمان) التي تتردد في كتاباتهم، سواء في كتابات أهل الحديث أو الفقه أو التصوف، أو الجامعين لهذه العلوم الدينية كافة، توقفنا على جمهور عريض لم يكن يرى الخيرية عامة وشاملة لجميع المنتسبين إلى الإسلام، ولم يروا في زمانهم ما قيل عن زمن النبوة، وأن هذا المجتمع المثالي المنشود كالمدينة الفاضلة التي حاول فلاسفة الإسلام أن يرسموا صورة لها، متأثرين بإنسان الحضارات السابقة، الذي يحاول دومًا أن يرتقي بمجتمعه ويرتقي بعناصره كما يظهر ذلك من فلسفته أو ديانته في نصوصها الأولى.
عبر قراءة سيرة شمس تبريزي التي دوّنتها المصادر، صرف النظر عن صحة رسمها لهذه الشخصية الغامضة أو تضخيمها، هناك صفة يتم الاتفاق عليها في كافة المصادر يمكن أن نصف بها شمس تبريزي، وهي أنه لم يكن راضيًا عن أحد من السابقين أو المعاصرين، ولم يكن يرى أحدهم يستحق أن يصبح شيخًا صوفيًا أو يُنظر إليه بعين التبجيل، فالشيخ الأكبر رضي الله عنه الذي وصف بالكبريت الأحمر انتقده شمس ورآه غير متابع لطريق النبي الأكرم ورأى كثيرًا من أفعاله خطأ بيّن! وكذلك لم يكن يرى البسطامي في عداد الأولياء وكثيرًا ما وجّه النقد إليه، وربما ورث جزءًا من هذه الصورة ثمرة عشقه (مولانا) في نقده لمن انتقده التبريزي كما فعل مع الفخر الرازي.. ففي بلاد العرب وبلاد فارس لم ير التبريزي من يصلح أن يكون شيخًا له وظلّ طيّارًا يرتحل من مكان إلى مكان باحثًا عمن يرى فيه مرآته وصورة نفسه حتى لقي مولانا.



برغم آلاف الصفحات التي كُتبت عن الرّومي،
 لم يكن هناك فعليًا شيءٌ عن شمس
قالوا عن شمس تبريزي هو شخصية غامضة تتدثّر بلباس أسود خشن، ظهر على مسرح الحياة لحظة قصيرة ثم اختفى فجأة في سرعة فائقة .. وقالوا بأنه شخصية قاسية مسيطرة .. وقالوا هو رجل شديد غليظ القلب قاسي الطباع .. وقالوا هو سقراط .. وصفوه ولم يره أحدٌ !
لا أستطيعُ الكتابة على هذا الجوهر [الجوهر الذي هو الغاية في الشرف والنّفاسة]
قال هذه الجملة أحد المشايخ لشمس التبريزي وهو يجلس في إحدى حلقاته، وأدرك شمس أن شخصيته كانت أقوى من أن يصبح فقيها، فكل ما لدى شمس لا يسهم في بناء العروش والكروش، بل على عكس ما يفعله المدرّس والفقيه والمؤسس، كان ما لدى شمس يساهم في تحطيم المعتقدات التقليدية وإزاحة الهياكل والأشباح والأوهام من طريق الإنسان، وهو ما لا يرضاه كثير من بني آدم الذين يعبدون الصور وإن كانت خاوية من أي معنى!
اتركه ناحية لكي يحترق
كانت هذه العبارة هي إشارة أحد المشايخ الذي تردد شمس تبريزي على حلقاته لحضور السماع ومداومة التلقّي والتعلّم، لم يقرّب الشيخ شمس منه كلّما ازداد قربًا من الشيخ، بل على العكس أمر بتنحيته جانبًا لبعض من الوقت، وإن لم يكن في تلك الرواية ما يؤكده التاريخ عن شمس، إلاّ أن طرائق المرشدين الروحيين قديمًا كانت على هذا النحو.. بعضهم يرسل مريده إلى أحد حاملاً أمانة ليختبره، وبعضهم يرسله سائحًا دون سكن أو وطن ليعلم ما اذا كان يطيق الابتعاد عن محبوبه...إلى آخر الوسائل التي ترويها كُتب التراجم والطبقات التي تؤرخ للأولياء والأصفياء..
هذا هو الفارق بين المخلوق والخلاّق، والحقيقي والزائف، تجلس اليوم مع أحد من لا يعرف عن الدروشة إلا صورتها، فيحرص الكل على جذبك لهذا الطريق دون غيره من طرق إخوته، وكلما أتى أحدهم على ذكر طريقة غيره، أتى لك بالمسالب، وكأن الله أوحى له بما لم يوح به لغيره، واختصه بما عزّ وندر، فهو خاتم الأولياء وعُصبته من الأتباع كحواري المسيح.
من هو شمس؟ هو شمس الرحمة ونور الحياة الذي سطع في سماء مولانا جلال الدين الرومي فحوّلها من السطور إلى الظهور، ومن التراب إلى النور.
يذكر سبهسالار اسمه الكامل على النحو التالي: شمس الدّين محمّد بن عليّ بن ملك داد.. ويصفه بأوصاف من قبيل (سلطان الأولياء-تاج المحبوبين- قطب العارفين-فخرُ الموحّدين).
لا يعرف المرء الكثير عن شمس تبريزي رغم إسباغ مولانا جلال الدين الرومي عليه صورة إلهية بدأت بكتابة ديوان مسمّى باسمه ولم تنته حتى بوصف الرّومي نفسه بـ(عبد شمس)!
معلومات قليلة وردت عن شمس في كتابات مولانا، خاصة مؤلفه النثري (فيه ما فيه).. ولم يعرف شمس بشكل جيد إلا من خلال معلومات أوردها ابن مولانا (سلطان ولد) و(سبهسالار) و(الأفلاكي).
صوْتُك هو الذي ينطِقُ بكلامي كلّه (مولانا).
يعتقدُ البعضُ أن شمسًا كان شخصًا خياليًا ابتكره مولانا الرومي ليكون مرآة لنقل أفكاره.
ويشبّه نيكلسون المستشرق الإنجليزي الذي ترجم أعمال مولانا الرومي وحققها شمسًا بسقراط (في عواطفه القوية وفقره وموته العنيف) ويصفه بقوله: (إنه أميٌّ نسبيًا لكن حماسته الروحية الهائلة المبنية على الإيمان بأنه كان لسان حال الله تعالى وناطقًا باسمه، سحرت كل من دخلوا الدائرة المسحورة لقوّته).
ويصف شمسًا، سلطانُ ولد ابن مولانا الذي عرفه معرفة شخصية ويدعوه برجل العلم والمعرفة والمؤلف البليغ.
وفي مناقب العارفين للأفلاكي أن شمس الدين كان متعلمًا كما يتعلّم الناس في عصره، إذ درس الفقه الإسلامي، والتقى علماء عصره، بل إنه امتلك حتى معرفة الرياضيات وعلوم الفلك.
ليس دفترُ الصّوفيِّ هو السّواد والحرف
فما هو إلاّ قلبٌ أبيض كالثّلج. (مولانا)
ترك لنا شمس بعض تعليقاته وكلماته، فيما عُرف من بعده ب(مقالات) شمس. وصف شمس كلماته بالخرقة الصوفية، وكان يؤمن أن المؤلفات والأوراق والكتب ليست هي المؤثرة في المريد والصانعة له، بل الشخصية البارزة هي التي تؤثر. (ذلك الذي يحرّك هو عبدُ الحقّ، لا الكتابات المجرّدة. من اتّبع السّواد فقد ضلّ).
 ومن أقواله:
- في البدء لم أكن أختلط بالفقهاء [أهل الظّاهر-أهل الصّورة]
كنتُ أختلطُ بالدّراويش فقط [أهل الصفاء والنقاء-الصّوفية!]
كنتُ أقولُ إن الفقهاء غرباء عن الدّروشة لا عهد لهم بها [لأنهم مشغولون بالقيل والقال والصحيح والفاسد، ولا ينشغلون بالقلوب وحديث الأرواح]!
والآن إذا ما عرفتُ الدّروشة، وأين هم الدّراويش [الصوفية المعاصرون] زادت رغبتي في مجالسة الفقهاء.
لماذا؟ لأن الفقهاء عانوا كثيرًا للحصول على (شيء ما)، وهؤلاء الدّراويش يفاخرون فحسب بكونهم (دراويش) ولكن أين الدّرويش الحق؟
أين الدّرويش الحق؟
-المرادُ من كتاب الله ليس المُصحف؛ بل ذلك الرجل الذي هو هادٍ، فكتاب الله هو، آيتُه هو، سورتُه هو، وفي تلك الآية آيات.
- لا يقدرُ على صحبتي إلاّ شخصٌ يميلُ إليه قلبي ويهتمُّ به.
- إن مُتابعة مُحمّدٍ النبي هي هذه: ذَهَبَ في المعراجِ، فامض أنت أيضًا وراءه.
-كلُّ فسادٍ وقع في العالمِ، فإنّ مبعثه اعتقادُ إنسانٍ بإنسانٍ بطريق التّقليد، وإنكارُ إنسانٍ لإنسانٍ بطريق التقليد.


الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة




درسٌ من دروس مولانا جلال الدين الرومي
المصدر: المثنوي، مج 2
الترجمة العربية للأستاذ كفافي .

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة
للخلاص من ذلك
فهكذا شأن الناس بالنسبة للمعرفة، فكل منهم يصف الموصوف الغيبيّ بإحدى الصفات.
فهذا متفلسف يدلي بشرح من نوع آخر، فيجرّحُ أحدُ الباحثين مقاله.
وثالث يطعن فيهما معا، ورابع يكاد يُسلم الروح نفاقا.
فكلٌّ منهم يدلى بعلامات لذلك الطريق، حتى يُظن أنهم ينتمون الى تلك القرية! فلتعلم هذه الحقيقة:
إن هؤلاء جميعا ليسوا على حق! كما أن هذا القطيع ليس ضالاً من كل الوجوه! 
ذلك لأنه بدون الحق لا يتضح الباطل. فرائحةُ الذهب هي التي أغرت الأبله بزائف النقد [1].
فلو لم يكن النقد الصحيح منتشرا في الدنيا، فهل كان يمكن اصدار النقد الزائف؟
و لو لم يوجد الصدق فهل كان يوجد الكذب؟ فهذا الكذب يتلقى من الصدق نورا (يكشفه) .
ان الأعوج يُشترى على أمل في السوىّ. والسُّم يوضع في السكر، وحينذاك يؤكل.
فلو لم يوجد القمح المحبوب اللذيذ، فماذا كان يجني بائع الشعير الذى يدعى أنه قمح؟
فلا تقل إن جملة هذه الأقوال باطلة، فأهل الباطل هم الأحابيل التي تصيد القلب برائحة الحق!
ولا تقل ان كل هذا خيال وضلال، فليس في العالم خيال بدون حقيقة.
فحقيقةُ ليلة القدر قد احتجبت بين اليالي، حتى تلتمسها الروح في كل ليلة.
فليست كل الليالي هي ليلة القدر، أيها الفتى، كما أن كل الليالي لا تخلو من تلك الليلة.
و بين لابسي الدلق لا بد من فقير واحد، ففتش عنه، ومن وجدته صادقا فتقبله!
فأين المؤمن، صاحب الكياسة والتمييز، الذى يعرف كيف يميز بين الرجل و بين المخنثين!
ولو لم تكن في هذه الدنيا سلعٌ معيبة، لكان (ميسورا) لجميع البُله أن يصبحوا تجارا!
ولكان تقويم البضائع أمرا بالغ اليسر. فحينما لا يوجد العيب، فما الفرق بين القادر (على التقويم) و العاجز عنه؟
ولو كان كل شيء معيبا فلا جدوى من المعرفة، فما دام كل ما هنالك خشب فلن يوجد العود!
فمن يقل ان جملة الأحوال حق فهو أحمق! و من يقل ان جملتها باطل فهو شقىّ!
فالأنبياء بتجارتهم قد حققوا الأرباح وأما تجار الالوان و الروائح فهم عمى تعساء!
فالثعبان يظهر في أعينهم مالا! ألا فلتمسح جيدا كلتا عينيك!
ولا تنظر الى سرورك بهذا البيع والربح، بل انظر الى خسران فرعون وثمود!
حول امتحان كل شيء حتى يظهر ما فيه من خير وشر
إن السماء وهي ذات الرونق والجلال، قال بشأنها الحق: «ثُمَّ ارْجع اَلْبَصَرَ»   .
ولا تقنع بنظرة واحدة من هذا السقف الميز، بل انظر مرات، «هَلْ تَرىٰ منْ فُطُورٍ»   .
وما دام قد أمرك بأن تنظر مرات إلى هذا السقف المضيء نظر الرجل الباحث عن العيوب،  
فقد علمت كم يجب أن يُوجَّه إلى تلك الأرض المظلمة من التأمل والتمييز، لتكون جديرة بالإعجاب!
وكم يجب على عقولنا أن تتحمل من عناء لكي نستخلص أهل الصفاء من بين الكدر! إن تجربه الشتاء والخريف، وحرارة الصيف، والربيع الشبيه بالروح، و الرياح و السحب و البروق، كلها جاءت لتظهر عوارض الفروق، لتخرج الأرض، الترابية اللون كلَّ ما حملته في جيبها من ياقوت و أحجار.
فكلُّ ما سرقته هذه الأرض المظلمة من خزانة الحق، ومن بحر الكرم، (يسألها عنه) شرط التقدير قائلين: «قولي الصدق و اذكري ما أخذته ذرة ذرة   !» فيقول اللص، يعنى الأرض: «لا شيء قط» ، فيأخذ الحاكم في تعذيبها.
فحينا يخاطبها الحاكم بقول لطيف كالسكر وتارة يعلقها في الهواء و يسومها كل ما هو أسوأ من ذلك، حتى تظهر بين القمر واللطف تلك الخفايا، بفعل نار الخوف و الرجاء! فهذا الربيع هو لطف الحاكم ذي الكبرياء، وأما الخريف فهو تخويف الله و تهديده.
وأما الشتاء فهو صليب معنوي، حتى تكشف عن نفسك أيها اللص الخفيّ!
وكذلك يكون للمجاهد زمان لانبساط القلب، وزمان للقبض و الألم و الغش و الضغينة
ذلك لأن أبداننا المفطورة من الماء و الطين، منكرة سارقة نور أرواحنا! والحق تعالى يلقى على أجسادنا الحر و البرد و الألم و العناء أيها الرجل الشجاع.
فالخوف والجوع و النقص في الأموال و البدن كلها من أجل اظهار جوهر الروح!
لقد أطلق هذا الوعد وذاك الوعيد، من أجل الخير والشر اللذين قد امتزجا بإذنه
فما دام الحق والباطل قد امتزجا، والنقد الصحيح قد امتزج بالنقد الزائف في جعبة واحدة، فلا بد لهما من محك أحسن اختياره، ومشهود في امتحان الحقائق، حتى يكون فيصلا ازاء كل مظاهر الزيف، ويكون دستورا لتلك التدبيرات.
فيا أم موسى، أرضعيه ثم ألقيه في اليم ولا تخافي عليه من البلاء!
فكل من شرب من هذا الحليب في يوم: «ألست» ، يستطيع تمييز الحليب، كموسى (في طفولته)  
فإن كنت حريصًا على إعطاء طفلك التمييز فاغذه الآن بالحليب، كما فعلت أم موسى  [2]، حتى يعرف حليب أمه منذ البداية، و لا ينخفض رأسه سعيا الى مربية خسيسة.




[1] حرفيا: «فالأبله قد اشترى زائف النقد على رائحة الذهب» ، اى أنه اشتراه على أمل أن يكون نقدا من الذهب الخالص.
[2] رفض موسى حليب المرضعات، و عرف حليب أمه، كما ورد في قصته بعد أن التقطه آل فرعون.  ( فأرضعيه الآن يا أم موسى» . و في ذلك اشارة الى قوله تعالى: «و أوحينا الى أم موسى أن أرضعيه» . الآية: سورة القصص، ٢٨ : ٧ .

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية