المنشورات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 ديسمبر 2014

دين الحب - شمس تبريزي

قراءة في كتاب “الرومي- دين الحب” لليلي أنفار (3/3)
السبت 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014
المصدر: الأوان
بقلم: عائشة موماد




تعددت القصص والحكاوي حول لقاء مولانا جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي، لكن ما يهم، كان هو ذلك اللقاء، ولادة مولانا جلال الدين الرومي الحقيقية التي وثقت بعناية, كان ذلك في 9 نونبر 1244 فيما أطلقته عليه المؤلفة “مرج البحرين” استشهادا بالآية القرآنية. كان ذلك أهم لقاء في حياة مولانا حتى أننا نجد ابنه سلطان ولد يذكر شمس الدين التبريزي عندما وثق لسيرة والده قبل ذكر برهان الدين محقق أو جده بهاء الدين ولد.

يقول سلطان ولد في كتابه ولد نامه:“ بعد انتظار طويل، أخيرا، رأى وجهه وظهرت له الأسرار، واضحة كالنهار. رأى ما لا يُرى وسمع ما لم يسمعه أحد أبدا. لأنه في اشتياقه قد استنشق عطره، دون حجاب. وثملا بالعشق وغائبا عن نفسه، أضحى أمامه كل شيء ولا شيء”.

ويذكر شمس الدين التبريزي لقائه بمولانا في كتابه “مقالات” حيث يقول:
“أول كلامي مع مولانا كان سؤالي له: إذا كان بايزيد البسطامي صادقا عندما قال أنه كان يسير على نهج المصطفى، لماذا لم يتصرف مثله ولماذا قال”سبحاني“بدل أن يقول”سبحانك؟“
لأنه كان صافيا وذا روح مشرقة
فهم مولانا في الحال ما أردت قوله
أخذ قولي في كامل عمقه
رأى إلى أين يؤدي هذا الكلام
عذوبة الكلام
أصبح ثملا
ورغم أني لم أدرك ذلك بنفسي
فتلك الثمالة أثارت انتباهي لعذوبة كلامي.

لم يرد في مقالات شمس ولا في مؤلفات سلطان ولد أي جواب لهذا السؤال رغم أن الكثير من كتاب سيرة مولانا قد حاكوا قصصا حول هذا اللقاء واختلقوا إجابات كان الدافع من ورائها إبراز مكانة مولانا جلال الدين الرومي.
تقول ليلي أنفار:”البارع في سؤال شمس أنه لا يستوجب منك اتخاذ أي موقف، بل يطلب من الذي يتقن الاستماع:
ما معنى أن تكونا صادقا؟
ما معنى السير على نهج الرسول؟
ما معنى نشوة اللقاء؟
أين أنت من معرفتك بنفسك، أنت الذي تظن أنك تتبع بايزيد والرسول معا؟
أين أنت من السكر والرشد؟
هل فككت طلاسم هذا التناقض المحوري؟“

في الحقيقة، لا يمكن تخيل أية إجابة لسؤال بلاغي كهذا، كان الغرض منه الدخول في سكر تواصل خاص بهما فقط.
”شمس الذي يوجد في موضع وسط “بين مدرسة الشطح ومدرسة الزهد”، لا يعتبر السكر إلا لحظة للترقي الروحي، ويعتبر أن بايزيد قد توقف في السكر ولم يستطع أو لم يعرف كيف يتجاوز سكره“ل.أ

لكن رغم التشكيك في صدق تلك الحكايات، ومنها رواية فروزنفر ثم رواية الجامي ، فإنها تظهر ما غيره شمس في مولانا جلال الدين الرومي.
”بصحبة شمس، لم يقم فقط باكتشافات جديدة، لقد دخل إلى بعد آخر.......دخل بكل كينونته وسط العشق الإلهي ووُضع مباشرة في حضرة الله، وهذه التجربة التي لم ينقطع أبدا عن إنشادها أفنته وأعادت ولادته من جديد“.ل.أ

يقول مولانا في شأن ذلك:
كنت ميتا، فأصبحت حيا
كنت بكاء، فأصبحت ضحكا
ملك العشق قد أتى وملكي صار بدون حدود.
قلب شمس حياة مولانا جلال الدين الرومي رأسا على عقب.

خير دليل على أن شمسا كان شخصية حقيقية وليس مجرد أسطورة كما زعم البعض، هو اكتشاف مجموعة كتاباته”مقالات“خلال الأربعينات، والتي تم نشرها في السبعينات.”أصالة وحداثة فكره والاستعارات الي يستخدمها، مواقفه العنيدة حيث يختلط اللين بالعنف، قوة نثره الشعري، كل ذلك يسهم في جعله جذابا بشكل استثنائي. ولمرات عديدة، قراءة ذلك النص، يجعلنا نفهم سر الاضطراب الذي أحدثه في شخصية بمنزلة الرومي“ل.أ.

تعددت ألقاب شمس، فسمي”قطب الصوفية“و”سيد أولياء الله“و”إمبراطور مجانين العشق“لكن الإسم الذي بقي خالدا كان”شمس الدين“أو”شمس الحق“. ولعل الأفلاكي كان الوحيد الذي وافانا بالإسم الكامل: مولانا شمس الحق والدين محمد بن علي بن مالك داد. يقول الأفلاكي في مناقب العارفين:”في مدينة “تبريز”، كان الصوفية والمعلمون الروحيون يلقبون شيخنا شمس الدين ب“التبريزي” نسبة إلى المدينة، لكن الرحل ذوي القلوب المضيئة كانوا يلقبونه ب“الطائر”.

غادر شمس مسقط رأسه تبريز وعاش جوالا ينتقل من مكان إلى مكان، يكسب رزقه من أي عمل أو حرفة لكي لا يكون شبيها بهؤلاء الدراويش الذين يعيشون على الهبات والصدقات مقابل بضع كلمات من الحكمة. قابل مجموعة من الشيوخ والعلماء لكنه لم يفصح لأحدهم عن شخصيته الروحية، ولعل ذلك كان السبب في أنه لم يذكر من طرف أي أحد منهم .

يقول شمس في مقالاته:
ما وراء هؤلاء العلماء البارزين
الذائعي الصيت بين الناس والمحتفى بهم فوق منابر الوعظ وفي اللقاءات الروحية
هناك خادمون للحق
يعملون في خفاء.

كان شمس باحثا عن رفيقه الروحي. لم يجده في تبريز ولا في أي رحلة من رحلاته إلى بغداد أو دمشق أو حلب. كان يقول:
عندما تركت مدينتي
لم أعثر على أي معلم
لم أجد شيخي
إنه موجود
لكن أنا الذي تركت مدينتي من أجله
لم أجده
لكن العالم لا يخلو من المعلمين.
“لكن صوتا داخليا كان يخبره بأنه سيقابله يوما ما، هناك، في الغرب

وفي جزء آخر من”المقالات“كان يقول:

سألت الله أن يعرفني على أصدقائه لأجالسهم
قيل لي من خلال رؤيا:”سوف تكون صديقا حميما لأحدهم
“سألت،”أين يكون؟
“وفي الليلة الموالية أتاني الجواب،”إنه في الأناضول“
عندما رأيته بعد ذلك قيل لي:”لم يحن الوقت بعد“
”كل شيء بأوانه“

تثبت ليلي أنفار من خلال بحثها أن لقاء شمس بمولانا بقونية لم يكن مجرد صدفة ولم يكن أول لقاء. فمن المرجح أن شمسا قابل مولانا بدمشق حيث كان يدرس، لكنه هذا الأخير لم يكن بعد على استعداد لتلقي تعاليم شمس. لكن بعد اللقاء، تغير كل شيء. ترك مولانا حصص الوعظ وابتعد عن مريديه لكي يهب نفسه كليا لشمس مما أثار الأحقاد ضد هذا الأخير، فكان عليه أن يغادر قونية تاركا مولانا يقاسي تجربة الفراق المؤلمة.

كان هذا ما ذكره سلطان ولد في كتاباته، لكن مقالات شمس تذكر غير ذلك حيث يقول في أحد النصوص:
لست قادرا على أن أطلب منك السفر
لذلك سأتحمل هذا العبء من أجلك
فالفراق ينضج الروح
بعد الفراق نقول: لماذا لم أتبع أوامره ونواهيه؟
مقارنة مع ألم الفراق، كان ذلك سهلا
استطيع أن أسافر خمسين مرة من أجلك
عندما أرحل
فذلك من أجلك
وإلا ما الفرق عندي بين الأناضول أو الشام
مكة أو قسطنطينة
لا أبالي بذلك
لكن،
الفراق ينضج الروح ويكمله.

غرق مولانا في حزن شديد بعد غياب شمس وابتعد عن كل مظاهر الحياة على عكس ما تخيله المريدون، لكن شمسا”كان بمثابة الأستاذ الذي يعرف تماما ما ينقص روح تلميذه. كانت هناك مرحلة للانتظار وبعدها جاء اللقاء، ثم بعد ذلك مرحلة الفراق، وهي المرحلة الأساسية من أجل التدرج نحو العشق. حقيقة، فإن مولانا عرف تغيرات جذرية عند اكتشاف شمس. وعلى حسب الصورة التي يستعملها بطريقة مستمرة، فقد جرب “الاحتراق”، لكنه لم يكن في نظر شمس قد غاب واحترق كليا. ففي الفراغ الذي تركه غياب شمس، يمكن للرومي أن يدرك المكانة الحقيقية للمعشوق، والاحتراق الفعلي، الذي من دونه، لا يمكن للعشق أن يصل إلى مرحلة النضج ولا يستطيع الروح أن يدرك الكمال“ل.أ

وبعد الفراق والاشتياق جاء اللقاء، رجع شمس بصحبة سلطان ولد محققا طلب مولانا، ويمكننا تخيل السعادة التي أعقبت ألم الهجر، حيث يذكر سلطان ولد في كتاباته:
”جلس مولانا بالقرب من شمس، كانا مثل شمسين في سمت سماء واحدة. وبدأ شمس بالكلام: قد عاد أخيرا إلى الحياة. عبر كلامه، الكل كان يطير نحو العشق وينفصل عن ذاته......دام ذلك بعض الوقت: بصحبة ملوك العالمين، كان الناس أكوابا وكان الملكان كالشراب، كانوا كالليل وكانا هما صباحين مشرقين. كان الملكان كالربيع وكان الناس كسهل في مرحلة الخصوبة“.

لكن بعد برهة من الزمان، لم يعد مولانا يجالس أحدا سوى شمس، كما أنه زوجه ابنته بالتبني، فكان ذلك كفيلا بإثارة أحقاد المريدين حول شمس مدبرين له المكائد للتخلص منه واسترجاع شيخهم الواعظ. اختفى شمس إذن في أواخر سنة 1247 حسب ما جاء في بعض المراجع، لكن إذا فكرنا في العلاقة التي كانت تجمعه بمولانا حسب ما استخلصته ليلي أنفار، يصعب علينا تصديق بعض الروايات التي تقول بهروب شمس خوفا من أعدائه، لم يكن لشمس أن يتخلى عن مولانا من أجل سبب تافه كهذا. فقط، قد دون في مقالاته أنه ذاهب بدون رجعة. وغادر قونية تاركا مولانا في صراع مع الألم دونه في الديوان الكبير.

يمكننا أن نتوصل إلى أن شمسا غادر مولانا فقط لأنه لقنه كل ما يجب تلقينه، وأن الحضور الجسماني لم تعد له أية فائدة مقارنة بالعلاقة الروحية التي نسجت بينهما إلى الأبد. فالشعلة التي هيجها شمس ستظل مشتعلة إلى الأبد. لقد أشعل نارا لن تنطفئ وستلتهم العالم عبر شعر مولانا. وهناك بيت شعري حيث يتحدث شمس إلى مولانا فيقول:
”أنا الريح وأنت النار
أنا الذي أشعلتك“

كانت تلك العلاقة ما وراء الزمان والمكان والأجساد، وتحولت آلام الفراق وحرقة الاشتياق إلى التحام روحي قد يفسده تواجد الأجساد. يذكر سلطان ولد نصا مؤثرا حول وصول والده غلى هذه المرحلة:
”لم ير شمس الدين التبريزي في دمشق، بل رآه بداخله، وقد ظهر كأنه القمر. يقول: مهما تباعدت أجسادنا، دون جسد أو روح، لسنا سوى نور واحد. إن رأيته أو رأيتني أيها الباحث، فأنا هو وهو أنا.......لماذا نستمر في قول أنا وهو حيث أنا هو وهو أنا؟ أو كل شيء هو وأنا بداخله. ما آخذه وما أعطيه منه هو، إنه كالإنسان وأنا كالظل. بدون الإنسان كيف يتواجد الظل؟....إنه كالشمس وأنا كقطعة صغيرة، إنه كالمحيط وأنا كالقطرة.“

كان مولانا قمرا يعكس ضوء الشمس الخالدة، ف”في ليل العالم، لم يكن باستطاعة احد أن يتمنى الحصول على نور شمس لولا مرآة الرومي“وقد جاء ذلك في إحدى مقالات شمس:
”مولانا هو البدر الكامل
لا احد يستطيع الوصول إلى شمس روحي
لكن القمر سهل البلوغ
لن يستحمل الناظر شعاع الشمس ونورها
والقمر لا يستطيع الوصول إلى الشمس
يجب على الشمس أن يذهب إليه“
ويلاحظ في لأشعار مولانا أنه يأخد صورة القمر في كثير من الصور المجازية حيث يقول في إحدى رباعياته:
أنت الذي تذيبني، أنا، قمرك
لقد دعوتني هذا المساء
هل ستأتي بقربي؟
تقول لي:” كن متأكدا، أنا ملكك، سأجعلك حيان لأني أنا روحك“.

ستبقى علاقة مولانا بشمس لغزا لن يستطيع احد فكه، لقاء عنيفا لمحيطين فجر إنتاجا أدبيا منقطع النظير، يقول عنه مولانا في إحدى أغزاله:
أنت سمائي وأنا أرضك
إني مذهول: ماذا قررت لي أن ألد؟
ماذا تعرف الغرض عن البذرة التي زرعتها أنت؟
أنت من خصبها
أنت الوحيد الذي يعرف ما تحمل بداخلها.

كل تلك التعابير المجازية التي تتحدث عن شمس، سواء كان ماء أو شمسا....الخ، فهي تشرح للمتلقي أن مهمة شمس قد انتهت وكان لزاما عليه المغادرة .




تقول الباحثة أن الدراسات والبحوث الأخيرة لعلي موحد”Movahhed“تشير إلى أن شمسا قد توفي ودفن ب”خوي“”Khoy“، مدينة صغيرة بالقرب من تبريز، لكن لا أحد يعرف تاريخ ميلاده أو وفاته”كان طائرا يتعذر الإمساك به، قادما من اللامكان متوجها نحو المجهول" ل.أ

ليلة عُرس العاشق الفرد



ليلة عُرس العاشق الفرد
انتقالُ مولانا جلال الدّين الرّوميّ
بقلم: خالد محمد عبده

لا تبحث عن قبرنا في التربة بعدما نموت
بل ابحث عنّا في قلوب العاشقين
أهلُ كلِّ دين محبون صادقون له، وأناسُ كلّ ملّة عاشقون له، كلّ من رآه تُيّم به، وكل من سمعه فُتن به، وما استطاع حزن كتم حزنه عند وقوع هزة الأرض العنيفة، فشق جيبه وأهال التراب فوق رأسه حزنًا على انتقال (نور الرسول) الكلّ أخذ في الصراخ والتأوه النصارى واليهود والمسلمون، عينُ حسدٍ أصابت الخلق فاحترقت الأرواح من صدمة ذلك البرق، وعندما اصفرّ وجه شمس الظّاهر، ومالت إلى الغروب، نزعت شمس العرفان تلك شعاعَ العناية من القالب الجسماني، وانتقلت من هذه الدُنيا الدنية إلى عالم الغيب.
روى سلطان ولد شعرًا وفاة مولانا جلال الدين الرّومي محددًا التاريخ بالخامس من جمادى الثانية من عام 672م الموافق للسابع عشر من كانون الأول من عام 1273م، وهو نفسه التاريخ المكتوب على مرقده الشريف.
يُقال إنه في الليلة الأخيرة التي اشتد فيها مرض مولانا اضطرب المحيطون به اضطرابًا عظيمًا وكان سلطان ولد ابن مولانا يأتي في كلّ لحظةٍ إلى عند رأس والده وعندما لا يتحمّل هذه الحالة كان يخرج من الحجرة. وقد نظم مولانا غزلاً في ذلك الوقت، وهو آخر ما نظمه:
امض وضع رأسك على الوسادة واتركني وحدي
اتركني متعبًا ساهرًا مُبْتلى
نحن وموجُ العشق وحيدين من الليل إلى النهار
فإن شئت فتعال من فضلك، وإن شئت فامضِ  
الليلة الماضيةُ في المنام رأيتُ شيخًا في محلة العشق
أشار بيده قائلاً: ارحل إلينا
ويروي الأفلاكي أن زوجة مولانا قالت له في ذلك الوقت: مدّ الله عمر مولانا إلى أربع مئة سنة لكي يملأ العالم بالحقائق والمعارف، فقال مولانا: هل أنا فرعون؟ هل أنا النمرود؟ نحن لم نجي إلى عالم التراب من أجل البقاء، نحن محبوسون في حبس الدنيا أرجو أن نصل قريبًا إلى مأدبة الحبيب، ولولا إصلاحُ الفقراء وإرشادهم لما اخترتُ لحظة واحدة الإقامة في مستقر التراب.
يوم وفاتي عندما يكون تابوتي منطلقًا
لا تظن أنني متألمٌ من أجل هذه الدنيا
لا تبكِ عليّ ولا تقُل وآ أسفاه وا أسفاه!
تقع في حبائل الشيطان حين يأتي منك هذا التأسف
وعندما ترى جنازتي لا تقل: فراقٌ .. فراق
فذلك الزمان هو زمانُ الوصال واللقاء عندي
وإذا ما أودعتني القبر، فلا تقل وداعًا وداعا
ذلك لأن القبر سرٌّ لاجتماع الجنان
إذا رأيت النزول فانظر إلى الصعود
فلماذا يكون الغروب إيذاءً للشمس والقمر؟!
وأيّة بذرة دُفنت في الأرض ولم تنمُ
فلماذا يكون لديك هذا التشكيك في بذرة الإنسان
يتراءى لك أنني دُفنت في التراب
إن تحت قدمي هذه السماوات السبع

لم يكن مولانا جلال الدين الرّومي منزعجًا من الموت أو مستغرقًا في الانشغال به، فما الموت إلا خطوة للانتقال إلى لقاء المحبوب.
يروي الجامي في نفحات الأنس أنه عندما انتشر خبرُ مرض مولانا في قونيه أخذ الناس يأتون لزيارته والاطمئنان على صحته، وجاء الشيخُ صدرُ الدنيا وقال له: شفاك الله شفاءً عاجلاً، ويكون لك رفع درجات، آملُ أن يصحَّ بدنُك، لأن حضرة مولانا روحُ العالم. فقال مولانا: بعد هذا شفاء الله لكم، فما بقي بين العاشق والمعشوق إلاّ قميصٌ من الشعر، ألا تريدون أن يتصل النورُ بالنور!
ويندهش سبهسالار المؤرخ لحياة مولانا من فرح الرّومي وترحيبه بالموت الذي تجسده أشعاره وكلماته، ويتعجّب من أن يكون مخلوقًا قبله أو بعده ضارع كلامه في هذا الشأن.
يقول مولانا في بعض أشعاره:
يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك
انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا
إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة
الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس
إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة
فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن
وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا.
عند غروب شمس يوم الأحد السابع من كانون الأول/ديسمبر من عام 1273 حُمل نعشُ مولانا بإجلال تام واكتظت شوارع المدينة بحشود من الناس من كافة طبقات الحياة، رجالا ونساء وأطفالاً وعامة وخاصة، ونصارى ويهود وروم وعرب وترك وغيرهم، ويذكر محمود مثنوي خان الذي روى قصة حضور أهل الأديان للجنازة أن أحد المسلمين سأل النصارى واليهود : ما علاقتكم بمولانا؟ فقالوا: إذا كان لدى المسلمين في منزلة مُحمّد، فقد كان لنا بمنزلة موسى وعيسى، وإذا كان لكم إمامًا ومُقتدى  فإنه يُعدُّ عندنا قلبنا وفؤادنا.
ويعبّر عن ذلك سلطان ولد قائلاً:  جعله النصارى معبودًا لهم، ورآه اليهودُ رائعًا مثل هود، قال قومُ عيسى: إنه عيسانا، وقال قوم موسى: إنه موسانا، وقال المسلمون: إنه خلاصة الرسول ونوره. قالوا: إنه بحرٌ عظيمٌ وعميق.. واستمر الأمرُ هكذا لأربعين يومًا، لم تخبُ لحظة الأشواق والحُرق، ثم بعد أربعين يومًا مضوا إلى منازلهم، صاروا جميعًا منشغلين بهذه الحكاية، كان حديثهم كلهم ليلاً ونهارًا: إن ذلك الكنز غدا دفينًا تحت التراب، وذِكر أحواله وحياته، وذكر أقواله وكلامه الشبيه بالدُّر.
صار مقام مولانا قبلة للعاشقين والمحبين، ومما عُلق على هذا المقام الشريف بلسان أحد العاشقين:
هذا المقامُ بمثابة كعبة للعُشّاقِ
من أتاه ناقصًا رجع كاملاً مكتملا.

المصادر:
-فرانكلين د. لويس: الرومي ماضيًا وحاضرًا، حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره. ترجمه إلى العربية وراجع أصوله الفارسية وقدّم له: أ.د. عيسى علي العاكوب، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب.
-بديع الزمان فروزانفر: من بلخ إلى قونيه، سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة: د.عيسى علي العاكوب، دار الفكر، سوريا.
-جيهان أوقويوجو: مولانا جلال الدين الرومي، دار النيل، مصر.

-أنّا ماري شيمل: الشمس المنتصرة، دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، ترجمه عن الإنكليزية وقدّم له وراجع مادته الفارسية الدكتور عيسى علي العاكوب، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران.

الخميس، 11 ديسمبر 2014

شمس تبريزي سرُّ الرومي وميلاده

شمس تبريزي
سرُّ الرومي وميلاده
بقلم: خالد محمد عبده
لم يوجد الله حتى الآن على هذه الأرض من يمكن أن يكون شيخًا لمولانا جلال الدين الرومي، وهو ليس بشرًا ، ولكن لستُ من يكون مُريدًا أيضًا !
[شمس تبريزي-مقالات].

شكاية أهل العصور الفائتة في الإسلام، سواء في قربهم من زمن النبي مباشرة أو بعدهم عنه مئات الأعوام، وعبارة أنه (فسد الزمان) التي تتردد في كتاباتهم، سواء في كتابات أهل الحديث أو الفقه أو التصوف، أو الجامعين لهذه العلوم الدينية كافة، توقفنا على جمهور عريض لم يكن يرى الخيرية عامة وشاملة لجميع المنتسبين إلى الإسلام، ولم يروا في زمانهم ما قيل عن زمن النبوة، وأن هذا المجتمع المثالي المنشود كالمدينة الفاضلة التي حاول فلاسفة الإسلام أن يرسموا صورة لها، متأثرين بإنسان الحضارات السابقة، الذي يحاول دومًا أن يرتقي بمجتمعه ويرتقي بعناصره كما يظهر ذلك من فلسفته أو ديانته في نصوصها الأولى.
عبر قراءة سيرة شمس تبريزي التي دوّنتها المصادر، صرف النظر عن صحة رسمها لهذه الشخصية الغامضة أو تضخيمها، هناك صفة يتم الاتفاق عليها في كافة المصادر يمكن أن نصف بها شمس تبريزي، وهي أنه لم يكن راضيًا عن أحد من السابقين أو المعاصرين، ولم يكن يرى أحدهم يستحق أن يصبح شيخًا صوفيًا أو يُنظر إليه بعين التبجيل، فالشيخ الأكبر رضي الله عنه الذي وصف بالكبريت الأحمر انتقده شمس ورآه غير متابع لطريق النبي الأكرم ورأى كثيرًا من أفعاله خطأ بيّن! وكذلك لم يكن يرى البسطامي في عداد الأولياء وكثيرًا ما وجّه النقد إليه، وربما ورث جزءًا من هذه الصورة ثمرة عشقه (مولانا) في نقده لمن انتقده التبريزي كما فعل مع الفخر الرازي.. ففي بلاد العرب وبلاد فارس لم ير التبريزي من يصلح أن يكون شيخًا له وظلّ طيّارًا يرتحل من مكان إلى مكان باحثًا عمن يرى فيه مرآته وصورة نفسه حتى لقي مولانا.



برغم آلاف الصفحات التي كُتبت عن الرّومي،
 لم يكن هناك فعليًا شيءٌ عن شمس
قالوا عن شمس تبريزي هو شخصية غامضة تتدثّر بلباس أسود خشن، ظهر على مسرح الحياة لحظة قصيرة ثم اختفى فجأة في سرعة فائقة .. وقالوا بأنه شخصية قاسية مسيطرة .. وقالوا هو رجل شديد غليظ القلب قاسي الطباع .. وقالوا هو سقراط .. وصفوه ولم يره أحدٌ !
لا أستطيعُ الكتابة على هذا الجوهر [الجوهر الذي هو الغاية في الشرف والنّفاسة]
قال هذه الجملة أحد المشايخ لشمس التبريزي وهو يجلس في إحدى حلقاته، وأدرك شمس أن شخصيته كانت أقوى من أن يصبح فقيها، فكل ما لدى شمس لا يسهم في بناء العروش والكروش، بل على عكس ما يفعله المدرّس والفقيه والمؤسس، كان ما لدى شمس يساهم في تحطيم المعتقدات التقليدية وإزاحة الهياكل والأشباح والأوهام من طريق الإنسان، وهو ما لا يرضاه كثير من بني آدم الذين يعبدون الصور وإن كانت خاوية من أي معنى!
اتركه ناحية لكي يحترق
كانت هذه العبارة هي إشارة أحد المشايخ الذي تردد شمس تبريزي على حلقاته لحضور السماع ومداومة التلقّي والتعلّم، لم يقرّب الشيخ شمس منه كلّما ازداد قربًا من الشيخ، بل على العكس أمر بتنحيته جانبًا لبعض من الوقت، وإن لم يكن في تلك الرواية ما يؤكده التاريخ عن شمس، إلاّ أن طرائق المرشدين الروحيين قديمًا كانت على هذا النحو.. بعضهم يرسل مريده إلى أحد حاملاً أمانة ليختبره، وبعضهم يرسله سائحًا دون سكن أو وطن ليعلم ما اذا كان يطيق الابتعاد عن محبوبه...إلى آخر الوسائل التي ترويها كُتب التراجم والطبقات التي تؤرخ للأولياء والأصفياء..
هذا هو الفارق بين المخلوق والخلاّق، والحقيقي والزائف، تجلس اليوم مع أحد من لا يعرف عن الدروشة إلا صورتها، فيحرص الكل على جذبك لهذا الطريق دون غيره من طرق إخوته، وكلما أتى أحدهم على ذكر طريقة غيره، أتى لك بالمسالب، وكأن الله أوحى له بما لم يوح به لغيره، واختصه بما عزّ وندر، فهو خاتم الأولياء وعُصبته من الأتباع كحواري المسيح.
من هو شمس؟ هو شمس الرحمة ونور الحياة الذي سطع في سماء مولانا جلال الدين الرومي فحوّلها من السطور إلى الظهور، ومن التراب إلى النور.
يذكر سبهسالار اسمه الكامل على النحو التالي: شمس الدّين محمّد بن عليّ بن ملك داد.. ويصفه بأوصاف من قبيل (سلطان الأولياء-تاج المحبوبين- قطب العارفين-فخرُ الموحّدين).
لا يعرف المرء الكثير عن شمس تبريزي رغم إسباغ مولانا جلال الدين الرومي عليه صورة إلهية بدأت بكتابة ديوان مسمّى باسمه ولم تنته حتى بوصف الرّومي نفسه بـ(عبد شمس)!
معلومات قليلة وردت عن شمس في كتابات مولانا، خاصة مؤلفه النثري (فيه ما فيه).. ولم يعرف شمس بشكل جيد إلا من خلال معلومات أوردها ابن مولانا (سلطان ولد) و(سبهسالار) و(الأفلاكي).
صوْتُك هو الذي ينطِقُ بكلامي كلّه (مولانا).
يعتقدُ البعضُ أن شمسًا كان شخصًا خياليًا ابتكره مولانا الرومي ليكون مرآة لنقل أفكاره.
ويشبّه نيكلسون المستشرق الإنجليزي الذي ترجم أعمال مولانا الرومي وحققها شمسًا بسقراط (في عواطفه القوية وفقره وموته العنيف) ويصفه بقوله: (إنه أميٌّ نسبيًا لكن حماسته الروحية الهائلة المبنية على الإيمان بأنه كان لسان حال الله تعالى وناطقًا باسمه، سحرت كل من دخلوا الدائرة المسحورة لقوّته).
ويصف شمسًا، سلطانُ ولد ابن مولانا الذي عرفه معرفة شخصية ويدعوه برجل العلم والمعرفة والمؤلف البليغ.
وفي مناقب العارفين للأفلاكي أن شمس الدين كان متعلمًا كما يتعلّم الناس في عصره، إذ درس الفقه الإسلامي، والتقى علماء عصره، بل إنه امتلك حتى معرفة الرياضيات وعلوم الفلك.
ليس دفترُ الصّوفيِّ هو السّواد والحرف
فما هو إلاّ قلبٌ أبيض كالثّلج. (مولانا)
ترك لنا شمس بعض تعليقاته وكلماته، فيما عُرف من بعده ب(مقالات) شمس. وصف شمس كلماته بالخرقة الصوفية، وكان يؤمن أن المؤلفات والأوراق والكتب ليست هي المؤثرة في المريد والصانعة له، بل الشخصية البارزة هي التي تؤثر. (ذلك الذي يحرّك هو عبدُ الحقّ، لا الكتابات المجرّدة. من اتّبع السّواد فقد ضلّ).
 ومن أقواله:
- في البدء لم أكن أختلط بالفقهاء [أهل الظّاهر-أهل الصّورة]
كنتُ أختلطُ بالدّراويش فقط [أهل الصفاء والنقاء-الصّوفية!]
كنتُ أقولُ إن الفقهاء غرباء عن الدّروشة لا عهد لهم بها [لأنهم مشغولون بالقيل والقال والصحيح والفاسد، ولا ينشغلون بالقلوب وحديث الأرواح]!
والآن إذا ما عرفتُ الدّروشة، وأين هم الدّراويش [الصوفية المعاصرون] زادت رغبتي في مجالسة الفقهاء.
لماذا؟ لأن الفقهاء عانوا كثيرًا للحصول على (شيء ما)، وهؤلاء الدّراويش يفاخرون فحسب بكونهم (دراويش) ولكن أين الدّرويش الحق؟
أين الدّرويش الحق؟
-المرادُ من كتاب الله ليس المُصحف؛ بل ذلك الرجل الذي هو هادٍ، فكتاب الله هو، آيتُه هو، سورتُه هو، وفي تلك الآية آيات.
- لا يقدرُ على صحبتي إلاّ شخصٌ يميلُ إليه قلبي ويهتمُّ به.
- إن مُتابعة مُحمّدٍ النبي هي هذه: ذَهَبَ في المعراجِ، فامض أنت أيضًا وراءه.
-كلُّ فسادٍ وقع في العالمِ، فإنّ مبعثه اعتقادُ إنسانٍ بإنسانٍ بطريق التّقليد، وإنكارُ إنسانٍ لإنسانٍ بطريق التقليد.


الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة




درسٌ من دروس مولانا جلال الدين الرومي
المصدر: المثنوي، مج 2
الترجمة العربية للأستاذ كفافي .

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة
للخلاص من ذلك
فهكذا شأن الناس بالنسبة للمعرفة، فكل منهم يصف الموصوف الغيبيّ بإحدى الصفات.
فهذا متفلسف يدلي بشرح من نوع آخر، فيجرّحُ أحدُ الباحثين مقاله.
وثالث يطعن فيهما معا، ورابع يكاد يُسلم الروح نفاقا.
فكلٌّ منهم يدلى بعلامات لذلك الطريق، حتى يُظن أنهم ينتمون الى تلك القرية! فلتعلم هذه الحقيقة:
إن هؤلاء جميعا ليسوا على حق! كما أن هذا القطيع ليس ضالاً من كل الوجوه! 
ذلك لأنه بدون الحق لا يتضح الباطل. فرائحةُ الذهب هي التي أغرت الأبله بزائف النقد [1].
فلو لم يكن النقد الصحيح منتشرا في الدنيا، فهل كان يمكن اصدار النقد الزائف؟
و لو لم يوجد الصدق فهل كان يوجد الكذب؟ فهذا الكذب يتلقى من الصدق نورا (يكشفه) .
ان الأعوج يُشترى على أمل في السوىّ. والسُّم يوضع في السكر، وحينذاك يؤكل.
فلو لم يوجد القمح المحبوب اللذيذ، فماذا كان يجني بائع الشعير الذى يدعى أنه قمح؟
فلا تقل إن جملة هذه الأقوال باطلة، فأهل الباطل هم الأحابيل التي تصيد القلب برائحة الحق!
ولا تقل ان كل هذا خيال وضلال، فليس في العالم خيال بدون حقيقة.
فحقيقةُ ليلة القدر قد احتجبت بين اليالي، حتى تلتمسها الروح في كل ليلة.
فليست كل الليالي هي ليلة القدر، أيها الفتى، كما أن كل الليالي لا تخلو من تلك الليلة.
و بين لابسي الدلق لا بد من فقير واحد، ففتش عنه، ومن وجدته صادقا فتقبله!
فأين المؤمن، صاحب الكياسة والتمييز، الذى يعرف كيف يميز بين الرجل و بين المخنثين!
ولو لم تكن في هذه الدنيا سلعٌ معيبة، لكان (ميسورا) لجميع البُله أن يصبحوا تجارا!
ولكان تقويم البضائع أمرا بالغ اليسر. فحينما لا يوجد العيب، فما الفرق بين القادر (على التقويم) و العاجز عنه؟
ولو كان كل شيء معيبا فلا جدوى من المعرفة، فما دام كل ما هنالك خشب فلن يوجد العود!
فمن يقل ان جملة الأحوال حق فهو أحمق! و من يقل ان جملتها باطل فهو شقىّ!
فالأنبياء بتجارتهم قد حققوا الأرباح وأما تجار الالوان و الروائح فهم عمى تعساء!
فالثعبان يظهر في أعينهم مالا! ألا فلتمسح جيدا كلتا عينيك!
ولا تنظر الى سرورك بهذا البيع والربح، بل انظر الى خسران فرعون وثمود!
حول امتحان كل شيء حتى يظهر ما فيه من خير وشر
إن السماء وهي ذات الرونق والجلال، قال بشأنها الحق: «ثُمَّ ارْجع اَلْبَصَرَ»   .
ولا تقنع بنظرة واحدة من هذا السقف الميز، بل انظر مرات، «هَلْ تَرىٰ منْ فُطُورٍ»   .
وما دام قد أمرك بأن تنظر مرات إلى هذا السقف المضيء نظر الرجل الباحث عن العيوب،  
فقد علمت كم يجب أن يُوجَّه إلى تلك الأرض المظلمة من التأمل والتمييز، لتكون جديرة بالإعجاب!
وكم يجب على عقولنا أن تتحمل من عناء لكي نستخلص أهل الصفاء من بين الكدر! إن تجربه الشتاء والخريف، وحرارة الصيف، والربيع الشبيه بالروح، و الرياح و السحب و البروق، كلها جاءت لتظهر عوارض الفروق، لتخرج الأرض، الترابية اللون كلَّ ما حملته في جيبها من ياقوت و أحجار.
فكلُّ ما سرقته هذه الأرض المظلمة من خزانة الحق، ومن بحر الكرم، (يسألها عنه) شرط التقدير قائلين: «قولي الصدق و اذكري ما أخذته ذرة ذرة   !» فيقول اللص، يعنى الأرض: «لا شيء قط» ، فيأخذ الحاكم في تعذيبها.
فحينا يخاطبها الحاكم بقول لطيف كالسكر وتارة يعلقها في الهواء و يسومها كل ما هو أسوأ من ذلك، حتى تظهر بين القمر واللطف تلك الخفايا، بفعل نار الخوف و الرجاء! فهذا الربيع هو لطف الحاكم ذي الكبرياء، وأما الخريف فهو تخويف الله و تهديده.
وأما الشتاء فهو صليب معنوي، حتى تكشف عن نفسك أيها اللص الخفيّ!
وكذلك يكون للمجاهد زمان لانبساط القلب، وزمان للقبض و الألم و الغش و الضغينة
ذلك لأن أبداننا المفطورة من الماء و الطين، منكرة سارقة نور أرواحنا! والحق تعالى يلقى على أجسادنا الحر و البرد و الألم و العناء أيها الرجل الشجاع.
فالخوف والجوع و النقص في الأموال و البدن كلها من أجل اظهار جوهر الروح!
لقد أطلق هذا الوعد وذاك الوعيد، من أجل الخير والشر اللذين قد امتزجا بإذنه
فما دام الحق والباطل قد امتزجا، والنقد الصحيح قد امتزج بالنقد الزائف في جعبة واحدة، فلا بد لهما من محك أحسن اختياره، ومشهود في امتحان الحقائق، حتى يكون فيصلا ازاء كل مظاهر الزيف، ويكون دستورا لتلك التدبيرات.
فيا أم موسى، أرضعيه ثم ألقيه في اليم ولا تخافي عليه من البلاء!
فكل من شرب من هذا الحليب في يوم: «ألست» ، يستطيع تمييز الحليب، كموسى (في طفولته)  
فإن كنت حريصًا على إعطاء طفلك التمييز فاغذه الآن بالحليب، كما فعلت أم موسى  [2]، حتى يعرف حليب أمه منذ البداية، و لا ينخفض رأسه سعيا الى مربية خسيسة.




[1] حرفيا: «فالأبله قد اشترى زائف النقد على رائحة الذهب» ، اى أنه اشتراه على أمل أن يكون نقدا من الذهب الخالص.
[2] رفض موسى حليب المرضعات، و عرف حليب أمه، كما ورد في قصته بعد أن التقطه آل فرعون.  ( فأرضعيه الآن يا أم موسى» . و في ذلك اشارة الى قوله تعالى: «و أوحينا الى أم موسى أن أرضعيه» . الآية: سورة القصص، ٢٨ : ٧ .

الاثنين، 10 نوفمبر 2014

قصة الفيل والعميان


 عِبَارَاتُنَـا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ

                            وَكُلٌّ إلَى ذَاكَ الْجَـمَالِ يُشيرُ

قصة الفيل والعميان

الحكاية التي يقصّها مولانا هنا الحكاية وردت عند  أبى حيان التوحيدي وابن عبد ربّه في العقد الفريد، وعند الغزالي في إحياء علوم الدين و كتابه الفارسي كيمياى سعادت للغزالى، كما وردت في حديقة الحقيقة لسنائى باختلافات جزئية، فمولانا هنا جعل الفيل فى حجرة مظلمة بينما جعلته الروايات الأخرى ظاهرًا للجميع، لكن الناس كانوا عميانا ونورد هنا رواية سنائي أولاً:
«كانت هناك مدينة كبيرة ...، وكان كل أهل هذه المدينة عميانا، ومرّ ملكٌ بهذه المدينة، وضرب الخيام. وكان له فيلٌ كبير ذو هيبة، اتخذه من أجل الجاه والصولة  فرغب الناس فى رؤية الفيل، وذلك من كثرة ما سمعوا عنه من تهويل وتقدمت مجموعة من هؤلاء العميان إلى الفيل، ولكى يعلموا شكل الفيل وهيئته، أسرع كل واحد منهم إليه متعجلا، فتقدموا إليه وأخذوا يلمسونه بأيديهم ... ذلك أنهم جميعا كانوا فاقدى البصر فلمس كل واحد منهم عضوا، واطلع على جزء منه- وتعلق كل منهم بصور مستحيلة، وربط روحه وقلبه وراء خيال- وحينما عادوا إلى أهل المدينة، تجمع العميان الآخرون حولهم- وكان كل واحد من هؤلاء الضالين سيىء العقيدة راغبا ومتشوّقا- فسألوا عن صورة الفيل وشكله، وسمعوا جميعا ما قالوه، فذلك الذى وقعت يده على الأذن، سأله الآخر عن شكل الفيل فقال: شكل مهول وعظيم عريض وسميك ومتسع كالكليم- وذلك الذى وقعت يده على الخرطوم قال:لقد صار شكله معلوما لديّ فهو كالأنبوية أجوف القلب، هو عظيم ومسبب للحيرة - وذلك الذى وقع ملمسه من الفيل على قوائمه الغليظة المليئة بالجذور- قال: إن شكله كما هو مضبوط حقيقة كأنه العمود المخروط. لقد رأى كل واحد منهم جزءا من الأجزاء ووقع لهم الظن الخطأ !

الحكاية في مثنوي مولانا

كان الفيل «موجوداً» في حجرة مظلمة، وكان الهنود قد عرضوه فيها.
ودخل الناس من أجل مشاهدته إلي تلك الحجرة المظلمة فردا فرداً.
و لما كانت رؤيته بالعين غير ممكنة، أخذوا يتحسسونه بأيديهم في تلك الظلمة.
- فوقعت كف أحدهم علي خرطومه، فقال: إن شكله مثل الأنبوبة.
- ووصلت كف اخر إلي أذنه، فبدا له كأنه المروحة.
أما الثالث فعندما تحسس قدمه فقد صاح، لقد أدركت شكل الفيل، إنه كالعمود.
- أما ذلك الذي وضع يده علي ظهره فقد قال: هذا الفيل كأنه نجد.
- وهكذا فكلُّ من وصل منهم إلي جزء منه، كان يفهمه طبقا لما بلغ مسامعه عنه في كل مكان.
- واختلفت أقوالهم من اختلاف وجهات النظر، قال أحدهم: إنه «معوج» كالدال، وقال اخر بل «مستقيم» كالألف.
- ولو كانت في يد كل واحد منهم شمعة، لانتفي الاختلاف عن أقوالهم.
وعين الحسّ مثل كف اليد فحسب، وليست لكف واحدة قدرة الإحاطة به ككل.
وعين البحر شيء وزبده شيء مختلف، فاترك الزبد وانظر لعين البحر.
- إن حركة الزبد من البحر ليل نهار، وأنت لا تفتأ تنظر إلي الزبد ولا تنظر إلي البحر وهذا أمر عجيب.
- ونحن كالسفن. يصطدم بعضها ببعضها الآخر، و نحن عُمي الأبصار في الماء الصافي.
- ويا من قد رحت في النوم في سفينة الجسد، لقد رأيت الماء فانظر إلي ماء الماء.
- فللماء ماء يسيره، وللروح روح تدعوها.
- وأين كان موسي وعيسي عندما كانت شمس «الحقيقة» تروي بالماء مزرعة الموجودات؟
- و أين كان آدم و حواء ذلك الزمان الذي وضع الله تعالي فيه هذا الوتر في القوس؟
- إن هذا الكلام ناقص أبتر، وذلك الكلام الذي ليس بناقص هو من تلك الناحية.
- فلو تحدثت عنه لزلّت قدمك، وويلاه إن لم تنبس عنه ببنت شفة.
ولو قيل إنه علي مثال الصورة، فإنك تتعلق بنفس الصورة أيها الفتي.
- و أنت مقيد القدم كأنك النبات في الأرض، وتحرك رأسك بهبة نسيم دون يقين.
- لكن لا قدرة لك علي الانتقال، أو اقتلاع قدميك من هذا الطين.
- فكيف تقتلع القدم من هذا الطين وحياتك منه؟ إن السير في حياتك هنا أمر شديد الإشكال.
وعندما تستمد الحياة من الحق أيها السالك، تصبح بها مستغنيا و تمضي عن الطين.
 فالرضيع عندما يفطم عن مرضعته، فإنه يتركها و يصير أكلا لكل ما لذ و طاب   .
- و أنت ملتصق بلبن الأرض كالغلال، فابحث عن فطامك من قوت القلوب.
- و تغذ من كلام الحكمة فإن النور قد صار مضمرا فيه، يا من لست قابلا لنور بلا حجب.
- حتي تصبح قابلا للنور أيها الحبيب، حتي تري المستور بلا حجب.
- فتتجول كالنجوم فوق سماك الأفلاك، بل تسافر بلا فلك سفرا لا وصف له و لا كيفية.
ألست بهذه الطريقة قد جئت من العدم إلي الوجود؟ هيا. . و قل كيف أتيت؟ لقد أتيت ثملا.
- لقد انمحت طرق المجيء من ذاكرتك، لكننا سوف نتلوا عليك رمزا عنها.
- فاترك الفهم و كن انذاك ذا فهم، وسد أذنيك و كن انذاك صاحب أذن.
- لا، لن أتحدث إليك فإنك لا تزال فجّا، إنك لا زلت في الربيع لم ينضجك هجير الصيف   .
- و هذه الدنيا كالشجرة أيها الكرام، و نحن عليها كالثمار الفجة.
و الثمار الفجة شديدة الالتصاق بالأغصان، و ذلك لأنها من فجاجتها لا تليق بالقصور.....

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية