المنشورات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التصوف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التصوف. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 نوفمبر 2014

أساطين التصوف الإسلامي في بلاد فارس 2


جلال الدين الرومي: أحد أساطين التصوف الإسلامي في بلاد فارس -2-

  بقلم:  محمد ناعم
المصدر: العدد 293 من مجلة دعوة الحق
ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

    * مسلكه في التصوف:
    عرف التصوف الإسلامي في بلاد فارس نهضة حيوية كبيرة، استطاع أن يركز قواعده، ويرسي دعائمه، وأثر التصوف في المسلمين هناك أكثر من أي شيء، حيث نجد أن جل المتصوفة الإسلاميين في بلاد فارس قد خاضوا في مواضيع فلسفية وفكرية ولا تجد للسلوك والرياضة مجالا إلا عند القليل منهم، ومصطلح «العرفان» نفسه الذي يطلق على التصوف يعتبر دليلا على امتزاج الفلسفة بالتصوف، لاقتراب هذا المصطلح من «المعرفة»، وساعدت طبيعة التصوف التي تعتمد على الذوق القابلة للأخذ من كل الينابيع أن يميز تصوفهم عن باقي بلدان العالم الإسلامي، وأن تجعل منه ـ على حد قول الدكتور قاسم غني في كتاب (تاريخ التصوف الإسلامي) ـ «طريقة مركبة معقدة».
    ويرى الدكتور قاسم كذلك، أن الصوفية أنفسهم كانوا التقاطيين من حيث المذاق والسليقة. ولم يتقيدوا بقيد معين أي أنهم كانوا بمجرد أن يشاهدوا أمرا موافقا لعقائدهم وأذواقهم يأخذون به، برغم انتسابه إلى أي شخص أو مصدر، ولسان حالهم غصن الورد أينما ينبت هو ورد.( 1)
    ويعتبر جلال الدين الرومي من إفرازات هذه البيئة التي أثرت الفكر الصوفي بمؤلفات عديدة، ودواوين ضخمة، والتي  يظهر من خلال ثناياها مسلكه الصوفي الفلسفي، الذي يغلب عليه الدعوة إلى الاتجاه إلى الله، والفناء فيه.
    وأهم ما يميزه عن غيره من متصوفة عصره أنه كان بارعا في إيصال أفكاره وآراءه الصوفية الفلسفية، باستعمال كل الوسائل والأدوات، من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية شريفة، وحكايات الأولياء والعارفين والمشايخ وأشعار السابقين وحكمهم، وكانت لغتهم في ذلك الحب الذي يوصل الإنسان بالكون الكبير، وبالحياة الطليقـة من  قيود الزمان والمكان... وكانت كلماته عذبة رفافـة... مشرقة دافقة... متوجهـة دافئة، تدخل مغاليق القلــوب، وتبعث ذبيب الحياة في بليدي الإحساس والشعور، وكانت أفكاره لمسات حانية على الإنسان المعذب المفتون... في نفاقه وتظاهره وريائه، في عجزه وفقـره، في كبريائه وتساميــه، في حيرته بين الأرض وما يشده إليها والسماء وما يربطه بها، وذلك في لغـة جاهد بقدر الإمكان أن تخدم الهدف الذي من أجله كتب منظومة«المثنوي». 
    ولغة الحب والعاطف، التي استعملهــا جلال الدين ثروة لا تنفذ، لأنها ثروة القلب والشعور والوجدان، والتي تخلق في الإنسان السماحة والرضى، والحب العميق الشفاف، والاستبشار الوديع.
    ورغم طغيان عاطفة الحب على شعر جلال الدين فإننا نجد الفيلسوف والأديب الذي أثرى الأدب الصوفي بشكل خاص والأدب الفارسي بشكل عام، بإبداعــات لها خصائصها الفنية، ومقوماتها الأدبية، وظف فيها بطريقة بديعــة جميع معارفه، وموارد ثقافته المتعــددة، التي تدل على رسوخ قدمه في العلـوم الشرعية، والعلوم العقلية والأدبية، وما «المثنوي» إلا شاهــد بسيط على ذلك.
    يقول أحمد أمين في كتابه: (ظهر الإسلام).
    «المثنوي»: منظومـة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي 25700 بيت، وهو قوي البيان، فيــاض الخيال، بارع التصويــر إلخ. حتى لينظم ـ جلال الدين ـ القصة القصيرة في مئات الأبيات وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، مستغرق فيه.
    ويقص أحيانــا قصة، ويجعلها مدار كلامه وتصوفه، كقصة الوحوش، وهي قصص كليلة ودمنــة، ولكن جلال الدين الرومي أخذهـا وتصرف فيها، وتوسل بها في عرض أرائه.
    هذا، ورغم تأثـر جلال الدين الرومي بالمبادئ والأفكار الفلسفية حيث وظف الكثير منها في مؤلفاته، نجده في المقابل  الصوفي الرافض والمعادي للفلسفة بصفة عامة، وبكل تياراتها، ففي أكثر من مكان وجه إليها انتقادات بالغة الحدة تنسفها، وتدحض كثيرا من مبادئهــا، وتشكك في منطلقاتها ومقدماتها ونتائجها.
    ففي المجلد الأول من «مثنويه» أثناء استعراض قصة أنين عمود المسجد يقول:
    «مئات الألوف من أرباب التقليد والظاهـر رمى بهم الظنون نصف توهم، فإن تقليدهم واستدلالهم قائم على الظن، وكذلك خوافي أجنحتهم وقوادمها، ذلك الشيطان الرجيم يلقي الظنون، ويقع هؤلاء العميان مقلـوبين، إن قدم الاستدلاليين خشبيه، والقدم الخشبية واهنــة جدا»(2 ).
    فجلال الدين الرومي يقرر هنـا على أن الاستدلالات المنطقية والفلسفية، وكل محاولة في التدرج إلى الوصول للنتائج عن طريق مقدمـات وترتيبات وقياسات إنما هي تكأة واهية لا تستند على ركيـزة قوية، كمن يستند على الرجــل الخشبية، التي هي بطبيعتها واهنـة وغير مرنة، وأن استعمال مثل هذه الأدوات لا يوصل الإنسان إلا إلى الأوهام والظنون والشكوك.
    ويقول في موضع آخــر:
    «إن الفلسفي إنما جنـى عليه عقله وفكره، وهو ذلك المسافر الذي ظهره إلى غايته، فكلما أمعن السفر، وجد به السير، ازداد بعدا عن المنزل، وحرم الوصول»( 3).
    ويقول أيضا:
    «إن الفلسفي قد أحـاط بعلم الكائنات، وجمع ثروة هائلة من المعلومات، ولكنه لا يزال يجهل نفسه أنه يعرف خاصية كل «كل جوهــر» و«عرض»، ولكنه في معرفة نفسه وقيمتها أجهل وأظن من حمار أهله أنه يعرف  قيمة كل شيء، ولكنه لا يعرف قيمة نفسه، وغاية خلقه، وموقف من خالقه، ومن هـذا العالم، ومصيره بعد الممات»( 4).
    وموقف جلال الدين الرومي الرافــض للمبادئ الفلسفية، والاستدلالات المنطقية، وكان عليه من الأرجح رهين بالظروف والملابسات  التي كان يعيش في محيطها، وهذا ما يفسـره ويذهب إليه الكثير من مؤرخي التصوف الفلسفي الإسلامي.
    وفي هذا الصدد يقول الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في كتابه: (التصوف عند الفرس)، (ص 11):
    «والجدير بالذكـر هنا، أن أغلب  مفكري إيران من المتصوفة كانوا ـ بالرغم منن هـذا  التأثـر الواضح بالفلسفة ـ يحملون على الفلاسفة ويكفرونهم، ولم يكن الأمــر عن عقيدة خالصة بقدر ما كان تلاؤما مع الجو العام، وخوفا من الفقهاء الذين كانــوا بالمرصــاد لكل من تسول له نفسه أن يخوض في أفكـار يراها الفقهاء من قبيل البدع».
    وخلاصــة لما سبق، فإن الظروف التاريخية المتعطشة للآراء الفلسفية، والمنظومات الصوفية، أتاحت لجلال الدين الرومي أن يكون أكبر الشعراء الصوفيين في بلاد فارس، بل أعظمهم على الإطلاق، لكونه لم يترك بابا أو مجالا أو موضوعا إلا وطرقه، وبذلك استطاع أن يخدم التصوف الفلسفي خدمـة كبيرة، حيث أعطاه شحنات قوية مكنته من النمو والاستمرارية.
    ويكفي أن يشهد لـها بهذا الفضل آخــر الصوفية العظام عبد الرحمان الجامي المتوفى سنة 898هـ، وقد لقب جلال الدين بشيخ الشعراء الصوفية، وقيل فيه: إنه (استو الأمــد) ( 5) لزخم مؤلفاته التي تناول فيها كل القضايا والمواضيع الصوفية والفلسفية والكلامية والأدبية، بلغة سهلة ميسرة، ورغــم ما يكتنفها في بعض الأحيان من رموز وإشارات عرفانية مبهمة، إلا أنهــا لقيت إقبالا واستحسانا، وأحيانا انبهارا من المسلمين وغير المسلمين، الذين عكفـوا على ترجمة مؤلفاته لسنين عدة.

    * مؤلفاتــه:
    تنقسم مؤلفات جلال الدين الرومي إلى قسمين: ما هو منظــوم وما هو نثور.

    1) المؤلفات المنظومــة:* ديوان شمس الدين التبريزي:وهو عبارة عن غزليات التي خلد فيها ذكــرى أستاذه، ويحتوي على ألف بيت، من بينها غزليات باسم صاحبيه صلاح الدين وحسام الدين.
    ويعتبر هذا الديوان من أجمــل وأعظم ما ألف في ميدان التصوف الإسلامـي، حيث إنه لم يترك وترا ولا بابــا إلا طرقه، ولا فكرة عامة أو ثانوية إلا فصلها.
    ومن خلال قراءة مؤلفات جلال الدين الرومي يتبين أن هـذا الديوان لم يؤلف لعامة المريدين، بل للخاصــة منهم، لما يشتمل عليه من رمـوز وإشارات خفية، وتبدو منظومته الصوفية المشببة بالروح الفلسفية نوعا ما معقـدة بالمقارنة مع المنظومات الأخرى، «ومن الممكن أن نجــد فيه شاهدا على أي فكرة طرقها الصوفية  في أسلوب شعري، حافل بالوجد، مـن الصعب على أي ترجمة مهما بلغت أن تحتفظ بروحه»(6 )
    طبع هذا الديوان أخيرا طبعتين جيدتين، إحداهمــا (غزليات شمس) بمقدمة جلال همائي (كليات شمس) من مطبوعات جامعة طهرا،، بتصحيح وحواشي ( بديع الزمان فروزانفر)( 7)

    * المثنوي المعروف باسم (مثنوي مولوي):
    يعتبر هـذا الديوان من أعظم وأنفس وأحسن ما نظم جلال الدين الرومي، حيث تظهــر من خلاله شخصيته التي تعبر عن فكره كمتصوفة، أخـذ به العشق والهيام والوجـد والحب كل مأخـذ، وكفيلسوف أصيل له طابعه الخاص، الذي أتاحته له ثقافته الواسعة العربية والفارسيـة، المختلفة الينابيع والروافد، حيث تظهر قدرته على مزج تلك الينابيــع  والروافد في بحـر زاخر من الأبيات الشعرية الرقيقة، التي تربو على 25700 بيت، والتي تبين قوة بيانــه، وصدق إحساسـه، وسمو ذوقه، وبراعـة تصويره، وفيوضة خياله، إلى جانب مــا نلمسه من معاناة الشاعر، وكذا وجده وشوقه.
    وإلى جانـب قيمة هذا الديوان الصوفية، فهو إحدى دخائـر التراث الأدبي الفارسي الإسلامي، بل التراث الأدبي العالمي، وفي ذلك يقول قاسم غني في كتابه (تاريخ التصوف الإسلامي) (ص: 165).
    «فمثنوي جلال الدين الرومي، لم يكن فقط أنفس آثــار إيران الأدبية، ولا هو أجمــع كتاب في التصوف الإسلامي، ولا هــو عن غير شك أكثر حيوية من منظومــات العارفين فقط، بل إنه ليعد أحد النجوم اللامعة في سماء الأدب العالمي أجمع.
    شرع جلال الدين في نظم المثنوي سنة 659هـ/ 1260م، باقتراح من تلميذه حسام الدين، وفرغ منه سنة 666هـ/1268م، ويقع في ستة أجزاء ، وقـد ألحق ببعض النسخ جزء سابع لم تصـح نسبته إليه.
    والمثنوي فوق ما تضمنه كثيـر من الإشارات إلى الأحاديث والآيـات مليء بالحكايات والتمثيليات، وأجــود نسخة المطبوعة في إيران (طبعة برخيم)( 8)
    وقد كتب عليه شروح كثيرة فارسية وتركية وعربيــة، وترجم المثنوي أو أجــزاء منه إلى اللغات الأوربية نذكــر منها:
    ترجم ثلث المجلد الأول إلى الألمانيـة سنة 1849م (روزان) في لبنرج، وأعـــاد (جورج روزان) ابن المترجم نشرها سنة 1913م.                 
    وترجم (سيرجيمس رودهاوس) المجلد  الأول من المثنوي شعرا، ونشرت هذه الترجمــة في لندن سنة 1881م.
    وترجم (ينفليد) مختارات من المثنوي بأجزائـه الستة إلى اللغات الانجليزية، يبلغ عددها ثلاث آلاف وخمسمائة بيت،  ونشرت في لندن سنة 1910م.
    ولم يترجم المثنوي إلى الإنجليزية كامــلا إلا على يد المستشرق الإنجليزي (نيكولسن) وقد حقـق النص وألحق بالترجمة مجلدين يشتملان على شروح وتعليقات، وبلغت المجلدات المشتملة على النص وترجمته وشروحه ثمانية مجلدات، نشرت في سلسلة جب التذكارية بين عامــي 1925م و 1927م، وقضى (نيكولسن) في هذا العمل خمسة وعشرون عاما كاملة.
    وقد نشر المستشرق الإنجليزي  (أربري) وهـو تلميذ لنيكولسن ترجمة لقصص المثنوي، ونشرت بلندن في مجلدين بين عامـي 1961م و1963م، وهي ضمــن مجموعة الكتب التي نشرتها هيئة اليونيسكو، للتعريف بالأعمـال الأدبية للأمم المختلفة بعنوان: 
    Unesco Collection of Respresentative Works
    وترجم المثنوي إلى اللغة العربية ترجمـة دقيقة، على يد المرحوم الدكتور محمد عبد السلام كفافي أستاذ جامعة بيروت العربية، وطبع في جزئين فاخريـن سنة 1969م، وكذلك ظهـرت ترجمة لبعض فصوله على يـد الدكتور عبد الوهاب عزام.
    عــلاوة على ذلك، ظهــرت عدة دراسات وأبحاث وترجمــات تتناول كلا من جلال الدين الرومي ومثنويه، وأغلبها إما باللغة الألمانية أو الإنجليزية أو الفارسية أو الهندية أو الأردية.

    * رباعيــات:
     يبلغ عددهــا 1959 رباعية، وقد طبعت في إسلاميون سنة 1312هـ 1894 ويشك في صحة نسة بعضها إليه.

    2) مؤلفاته المنظومــة:* كتاب «فيه ما فيـه».
    وهو عبـارة عن تقريراته التي ألقاهــا في مجالسه، ودونها ابنه سلطان ولد أو أحد مريديه، وأكثـر فصوله إجابات عن أسئلة وجهت إليه في مناسبات مختلفة، ولا يوجـد بينها ارتباط، ويخاطب في قسم منه معين الديـن سليمان بروانه، وقد طبـع في طهران سمة 1333هـ، وأعيـد طبعه سنة 1374هـ/1954م.

    * مكاتيـب:أي رسائل جـلال الدين إلى معاصريـه،                
    ويوجد منها نسختان في مكتبة دار الفنون بإسلامبول.

    * مجالس سبعــة:وهو عبـارة عن مجموعة من مواعظـه ومجالسه، وتوجـد منه نسخة خطية، «بمكتبة سليم آقا» في إسكدار، وتاريخ نسخهــا سنة 788هـ/ 1386م، وطبع منها ثلاثة أجـزاء بطهران( 9).
    وهناك عدة مؤلفات منشورة ومنظومــة لجلال الدين الرومي قد أتلفت وضاعت، ولم يزل منهـا سوى فقرات واستشهادات متفرقة بين كتب التصوف الإسلامي في بلاد فارس.
    الهوامش 
      1) تاريخ التصوف.
      2) تاريخ التصوف الإسلامي (ص: 145).  =
      3) رجال الفكر والدعوة(ص: 544). =
      4) المصدر السابق (ص: 549).
      5) التصوف وفريد الدين العطار: د. عبد الوهاب عزام (ص: 42).
      6) المصدر السابق.
      7) القصة في الأدب الفارسي، د. أحمد أمين، طبعة دار المعارف (ص: 412).
      8) القصة في الأدب الفارسي (ص: 412).
      9) القصة في الأدب الفارسي (ص: 412).

    أساطين التصوف الإسلامي في بلاد فارس 1



    جلال الدين الرومي:أحد أساطين التصوف الإسلامي في بلاد فارس -1- 

    بقلم: محمد ناعم 

    المصدر: العدد 287 من مجلة دعوة الحق
    جمادى 1-جمادى 2-رجب 1412/ يناير فبراير 1992

      * مدخــل:إنه لمن العسير في هذا البحث البسيط أن نكتب عن أحد أساطيــن التصوف الفلسفي الإسلامي في بـلاد فارس الذين دخلـوا التاريخ من أوسع أبوابه، بمـا خلدوه من الصفحـات المشرقة في ميدان التصوف الفلسفي الإسلامي.
      فالكتابـة عن جـلال الدين الرومـي عمل شاق يتطلب سعة الاطلاع، وعمق الصبر في البحث والتنقيب في مختلف المصادر والمراجع، التي هي في واقع الأمـر قد ظلمته ظلما كبيرا، حيث إنهـا لم تشر إليه إلا من زاوية صغيـرة، أو بإشـارات غامضة ومبهمة، متصرمة الحلقات. مفككة الوقائـع إلى درجة أنهـا لا تستطيع أن تعطيك صورة كاملة وواضحة عن حياة جـلال الدين وفكره، والظروف التاريخية والسياسية والثقافيـة المعاصـرة له، علاوة على ذلك، فمؤلفـاته المنشورة والمنظومـة لم تحظ بترجمـات عربية جيدة سوى مثنويه الذي قـام بترجمة بعض أجزائـه كل من الدكتـور عبد السلام كفافي، والدكتـور عبد الوهـاب عزام وغيرهمـا. هذا ونـرى في المقابل في ظهـور عدة ترجمـات باللغات الأجنبية، منهـا ما استمـر ترجمته إلى أكثر من نصف قرن.
      ومـا يمكن أن نسجله هنا، أن هـذه الشخصية لم تسلم مــن التحريف والوضع والتحامـل، إمـا من طرف أنــاس لا يفهمون من التصوف إلا تكايا الانعزال، وحـرفة أصحاب الأسمال وطقطقة المسابـح، وبعض الأعمال والطقوس والعادات التي يبرأ منهـا دين الإسلام نفسـه، أو أولئك   المفتونين بهذه الشخصية، والذين يضفون عليهـا الكثير من القداسة، وينسبون إليها عادات وخوارق، وينسجـون حولها الأساطيـر التي لا تتفق مع مواقف ومبادئ الرجل، كمـا لا تجاري الشرع أو العقل والمنطق، وعلى كل حال، فسيرته كسائـر سير العظماء، أضيف إليهـا ما ليس فيها، إما عن حب وهـوى وحسن قصد، وإمـا عن حقد وسوء نية وقصد.
      هذا، ويبقى جـلال الدين أسمى مما ذهب إليه هـؤلاء وأولئك، وبإمكـان أي دارس أن يستجلي كنه هذه الشخصية، استنادا إلى مميزات فكر هذا الرجل، مستوحيا تقييمهـا على ضوء الآثار والظروف التاريخية والثقـافية التي عاش فيها، والتي كان للعقـل صولة وسلطان فيها، إلى حـد أن اصبح الشطط في أعمـال الفكر، وإقحـام العلوم العقلية، والاستدلالات والقياسات المنطقية، بارزا في جميع المعارف الثقافيـة، حيث تسربت هذه العـدوى لجميع فئـات المجتمع، وغدت بذلك الفلسفة المهيمنة على الساحة الفكرية.
      يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله:
      «خضعت الأوساط العلمية والحركات الفكرية في القرن السابع للاستدلال والقياس العقلي خضوعا زائدا، وأصبح المؤلفون والمتكلمون والباحثون والدعـاة مضطرين إلى البراهين العقلية، والمقدمـات الفلسفية في إثبات حقيقة غيبية، أو تقرير عقيدة دينية».
      وجـاء العلامة (فخر الدين الرازي) (606هـ)، فجدد دولـة علم الكـلام ووسعها بشخصيته القوية، ومؤلفـاته العظيمة وبحوثه الدقيقة ( 1). وكـان نتيجة ذلك، أن طغى على العالم الإسلامـي(الجفاف الفلسفي) ـ إن صح التعبيرـ .
      وإذا كان الغلو في القياس والاستدلال قد أفاد العقـول جدة ونشـاطا، فقد أفقـد القلوب إيمانـا وحرارة، لذا كـان من الواجب ظهـور شخصية قوية لهـذا الإعصار الفكري الجامـح الذي ساور جميع العقول على اختلاف مشاربهـا وخامر النفوس على اختلاف شرائحهـا وقسماتها لإرجاع الصفو لدين الفطرة.
      يقول أبو الحسن الندوي:
      «كـان العالم الإسلامي في حاجة إلى شخصية تستطيع أن تنفـخ بقلبها الولوع وعاطفتهـا القوية، روحا جديدة في المجتمع الذي طغـى عليه العقل ـ على حساب العاطفة ـ وساد عليه الجمود، شخصية تستطيع أن تؤسس كلاما جديدا لا يصارع العقول، ولا يكتفي بإفحام المجادلين، بل يحل العقـد النفسية والفكرية التي خلفهـا علم كلام، ويملأ القلوب سكينة وإيمانا».
      لقد وجـد هذا الرجل المطلوب في شخصية مولانـا «جـلال الدين الرومي»، وقد كـان ديوان شعره الذي يعرف عادة «المثنوي المعنوي» ثورة على علم الكـلام الذي فقد جدته وقوته، ونقد الفلسفة في اتجاههـا ومنهجهـا، ونعى على الفلسفة التي جاوزت حدودها، وبالغت في تقدير الحواس وتقديس العقل، وكان الكـلام جديدا، كـان أكثر إقناعا للعقول الجامحة الثائـرة، والنفوس المضطربة الحائرة من علم الكـلام، الذي تزعـم وتكفل به طوال القرون ( 2).
      وبناء على هـذا، فإن شخصية جلا الدين الرومي التي نحن بصددها تبـدو متشعبة المنحنيات الفكرية والثقافية، لنجدهـا إلى جانب اشتغالها بالعلـوم الشرعية، متضلعة في العلوم العقليـة، ومتبحرة في التصـوف الفلسفي إلى جانب قدراتهـا الأدبية التي توصل عن طريقهـا أفكارهـا وآراءها بلغة شعرية، رقيقة لألفاظ، محكمة المبنى، رائعـة الأسلوب، والتي تبين لنـا سمو ذوقهـا، ونقاذ بصيرتهـا.
      فكل هـذه النواحي في شخصية جـلال الدين الرومي تستحق الدرس والتخصص، لأنه يبدو من العسير أن يتناولها شخص واحد ويفيهـا حقها، ويُلـمُ بجميع جوانبها.

      1 ـ حياته:
      هـو جلال الدين محمد بن محمد البلخـي ثم القونوي، ولـد في بلخ سنة 604 هـ، ولقب بالرومـي، نسبة إلى أرض الروم، حيث قضى معظم حياته.
      كـان أبوه فقيها من أتباع المذهب الحنفي، ولقب لمكانته بسلطان العلماء. (ويعرف بسلطان ولد)، وقد ترك بلخ بصحبة أسرته سنة 609هـ ، وكان جلال الدين في الخامسة من عمره، وتنقلت الأسرة من مدينـة إلى مدينة، ثم ذهبت الأسرة بعد ذلك على بغداد، ثم إلـى مكة، وانتقلت بعد ذلك إلى ملطية، حيث أقامت أربع سنين، ثم إلى لارندا (قرمان الآن)، حيث أقامت سبع سنين، ثم تركت لارندا إلى قونية التي كانت عاصمـة السلطان علاء الدين السلجوقي، الذي كان من سلاجقـة آسيا الصغرى، وقد توفـى والد الشاعر ـ جلال الدين الرومي ـ في هذه المدينة سنة 628 هـ.( 3)                                       
      وتجمع الروايـات أن جـلال الدين الرومي بعد تلقيه العلوم عن أبيه، ثم علـى يد أحد أصدقـاء أبيه وهو برهـان الدين محقق الترمـذي، أنه أصبح معلما دينيا، وواعظـا وفقيها، جلس على بساط الفتوى في قونية، وعمـل في حقل التدريس خلفاً لأستاذه برهـان الدين محقق، إلا أن لقاءه بشمس الدين التبريزي، الشاعر الصوفي المتجول سنة  462هـ، غَيَّـر مجرى حياته، وكان نقطة تحول في فكره وسلوكـه، فانقطع إلى التصوف، ونظم الشعر.
      يقول أحمد أمين في كتابه قصة الأدب الفارسي:
      «كـان جلال الدين حين مـات أبوه في الرابعة والعشرين من عمـره فقام مقامـه في الفتوى والوعـظ والتذكير، ثم رحـل بعد سنتين من وفاتـه إلى حلب، وتزود بحظ وافر من علـوم التنزيل والتأويل، وقصـد بعد ذلك دمشق، فأقـام بها أربع سنوات، قرأ خلالهـا كتاب هداية الفقه، وبعد سبعة أعـوام من مقامه في بـلاد الشام بحلب ودمشق. عـاد إلى قونية، واشتغل بالفتوى والتدريس، فخلب عقول الناس بزهده ورياضته وعلمه، ودعـوه إمام الدين وعمـاد الشريعة، وإذا به يتحول فجأة عن محجـة العلماء إلى طريقة العرفاء على يـد رجـل غريب الأطوار يقال له شمس الدين التبريزي، فانقطع عن أصحـابه، ودخل في زمـرة أهل التصوف، ولم يبال في ذلك لومة لائم».
      توفي جلال الدين الرومي بقونية متأثرا بالحمى يـوم الواحد الخامس من جمادى الأخيرة سنة (672هـ/ 1273م) تاركا وراءه تراثـا ضخما، مؤلفات عديدة منظومـة ومنثورة، وبموته طويت صفحـة مشرقة من أعظم الصفحات الخالدة في التصوف الفلسفي الإسلامي. ولما خرجت جنازته ازدحـم عليها أهل البلد ازدحاما كبيرا، وشَيَّعَهـا أتباع كل ديانة وهم يبكـون، وكان اليهـود والنصارى يتلون التوراة والإنجيل وكان المسلمون يُنَحُّونَهـم فلا يَتَـنَحَّون، وبلغ ذلك حاكم البلد، فقال لقساوستهـم ورهبانهـم: مالكم ولهذا الأمـر؟. وإنهـا لجنازة مسلـم، فقالوا: به عرفنـا حقيقة الأنبياء السابقين وفيه رأينا سيرة الأوليـاء الكاملين.
      وكانت الجنـازة خرجت في الصباح الباكـر، ووصلت إلى مقبـرة البلد عنـد المسـاء، ودفنت في الليل. ( 4)
      ومشاركة اليهـود والنصارى في تشييع جنازة جلال الدين الرومـي لا تبدو فيها أي غرابة إذا عرفنا أن جـلال الدين دينه                                             

      2 ـ شيوخـه في التصوف
      تربى جلال الدين وتتلمـذ ودرس على يد كل من أبيه الذي كان يعتبر من أعـلام عصره، ومن المشايخ الكبار في بلاد فارس، والذي كان يلقب بسلطان العلماء، ثم على يد برهان الدين محقق أحـد تلامذة أبيه، لكن الروايات لـم تذكر الشيـوخ الذين تتلمذ عليهم، أو أخـذ عنهم بعض المبادئ في علم التصوف، أو من تأثر بهم، سوى لقاءه بكمال الدين بن العديـم بحلب، وسعد الديـن الحموي، والشيخ عثمان الرومي، والشيـخ أوحد الدين الكرمانـي، والشيخ صدر الدين القونوي، والشيخ محيي الدين بن عربي، وبعض مريديه بدمشق أثناء رحلاته العلمية التي كان يستزيـد فيها، وينهل من معارف عصره المتفرقة في بقاع العالم الإسلامي.
      وفي هذا الصدد، يقول أبو الحسـن الندوي:
      «بدأ جلال الدين دراسته عند الشيخ برهان الدين المحقق (الترمذي) الذي كان من تلاميـذ والده، ونبغ على يده، وقد كان والده الشيخ (بهاء الدين) ينتقد علمـاء العصر لعكوفهم على دراسة العلوم العقلية وتعليمها، وانصرافهم عن القـرآن والحديث، وكان الشيخ مهابا جليل القدر، يجله العامة والخاصة، وتأتيه الفتاوى من أقاصي البلاد، فحسده العلماء وأوغروا صدر الملك عليه، وقد هاله التفاف النـاس حوله وصدورهم عن رأيه فأوعـز إليه بالخروج من البلاد، وهاجـر الشيخ بأهله، وأقام في مدن كثيـرة كان فيهـا موضع حفاوة بالغة وإجلال، حتى استقر في (قونية) سنة 626هـ بدعوة من (علاء الدين كيقياد) سلطان الروم الذي احتفى به، وبالـغ في إكرامـه، وبايعه» ( 5)
      مكث الشيخ (بهاء الدين) سنتين في (قونية)، وتوفي سنة 638هـ، وخلفه ولده النابغة ( جـلال الدين)، وبنى له الأمير بدر الدين (كهرتاش) أستاذ السلطان مدرسة عرفت بمدرسـة (فدانذكـار)، ووقف لها أوقافا واسعة، وولاه رئاستها.
      واشتهر جلال الدين في التدريـس والوعظ والإرشاد على نمط والده العظيم ولم يمنعه هـذا الجاه العريض، والمكانة المرموقة، من التوسـع في الدراسات والتبحر في العلوم، وسافر سنة 630هـ إلى بلاد الشام، ومكث في المدرسة (الحلاوية) بحلب، واستفاد من كمال الدين بن العديم:                       
      وقد أقر له علماء حلب بالنبوغ الاطلاع الواسع.
      ومن حلب توجه جلال الدين إلى دمشق، حيث أقام بالمدرسـة ( المقدسية) وكانت له مجالس لطيفة مع الشيخ محيي الدين بن عربي، والشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ عثمان الرومـي، والشيخ أوحد الدين الكرماني، والشيخ صدر الدين القونوي، وقـد اجتمعوا في دمشق في ذلك العصر.
      رجع جلال الدين في سنة 634هـ إلى قونية، وعكف على التدريس والإفتاء. وقد نزح إلى (قونية) كثير مـن العلماء والأشراف الذين هاجـروا من بلادهم في فتنة التتـار، فأصبحت مدينة العلـم، ملجأ العلماء والفضـلاء، واستقـر بها أصحاب الشيـخ محيي الدين بن عربي بعـد وفاتـه، منهم الشيخ صـدر الدين القونـوي.
      إلا أن ما يمكـن تسجيله هنا، أن أكثـر الشيوخ أثرا على جلال الدين الرومي هـو شمس الدين التبريزي، لأنه نقطة التحول، والسبب الأول الذي جعل جـلال الدين يخوض هذا الطريق الجديد فكـرا وسلوكـا وممارسة، بعدمـا كان مهتما بالعلوم الشرعية والعلوم العقليـة التي كانت سائدة في الأوسـاط الثقافية آنذاك.
      وقد أشـار جلال الدين إلى هذا المعنى بقوله في بيت له: «إن شمس الدين التبريزي هو الذي أراني طريق الحقيقة، وهو الـذي أُدِينُ له في إيماني» ( 6)
      ويقول سلطان ولد ابن جلال الدين:
      «إن الأستاذ الكبير أصبح تلميـذا صغيرا للشيخ التبريزي، يتلقى منه الدروس كل يوم، إنه وإن كان نابغـة في العلوم، ومقدمـا في الزهادة، ولكنه رأى عنـده علما جديدا لا عهد له به».( 7)
      ولقد كـان جلال الدين مفتتنـا إلى حد كبير بشيخه التبريزي، حيث كـان يكتب إليـه القصائد الطوال، يرجوه أن يعـود إليه، يجالسـه ويحادثه، ليطفئ ما يعانيه مـن لواعج الفراق والحنين إليـه، يقول في إحداها:
      أيهـا النـور فـي الفــؤاد تعـــالى   * غايـة الوجـــد والمـراد  تعــــال
      أيها السابـق الــذي سبقــــت منـ   * ـك مصــدوقـة الـوداد تعـــــال
      يا ســرور وسعــادة إذا  قدمـــت  * ويـا حزنـا وكســـادا إذا غبــــت
      أنـت كالشمــس إذا دنـت ونـــأت  * يا قريبــا على البعـــاد تعـــال 
      ( 8)
       كما أن خضوع جـلال الدين العالم المتبحر، الذي يُشهـد له بالعلم والزهـادة، للشيخ شمس الدين التبريزي لدليل على ما يتمتع ويتميز به هذا الأخير من طاقة روحية عالية، التي ستطبع فكر جلال الدين لاحقا بتلك النزعة الصوفية، وذلك الفكر التأملي الفلسفي، والذوق الرفيع، الذي يغديه الحب والعشق الذي ذهب به كل مذهب، الشيء الذي جعل جلال الدين يهاجر مريديه، وينقطع عن التدريس والفتوى، وينصرف عن الوعظ والإرشاد، ويعتكف الليالي الطوال مع أستاذه الجديد، منغمسا في هذا البحر الزاخر من الأذواق والمتعة الروحية التي جذبته بقوة كبيرة إليها، حيث وجد الضالة المنشودة، والبغية المفقودة، رغم ما صاحب ذلك من عناء وعنت ومواجهة من طرف الفقهاء والمريدين، الذي حرضوا عامة الشعب على الشيخ شمس الدين التبريزي، الذي أوذي إيذاء كبيرا، اضطر معه إلى أن يختفي عن الأنظار سنة 642هـ.
      يقول أبو الحسن الندوي:
      «خضع جلال الدين لشيخه الجديد خضوعا كاملا، وانصرف إليه انصرافا كليا، وتشاغل عن تلاميذه ومريديه، فكبر ذلك عليهم، وثاروا، وقالوا: لقد صرفنا أعمارنا في خدمة الشيخ، وشاهدنا كراماته، وبنا طار ذكره في الآفاق، وجاء رجل غريب مجهول وقطعه عنا، واستولى عليه، فلا سبيل لنا إلى لقائه ورؤيته، ووقفت الدروس والمحاضرات، فلا شك أنه رجل ساحر أو داهية جرف هذا الجبل الراسي من العلم، كتبنة حقيرة، أو ورقة خفيفة».
      اشتدت عداوتهم لشمس الدين، الذي تحمل ذلك في صبر وحلم، حتى تجاوز الحد، وخاف شمس الدين الشر والفتنة، فخرج من قونية مستخفيا، وكان ذلك في غرة شوال عام 643هـ، الأمر الذي فجر قريحة جلال الدين الشعرية من مكامنها، فدون ما أملت عليه من لوعة الفراق المفاجئ، وحنينه إلى لقاء أستاذه وشيخه، الذي دله على هذا الطريق الجديد، وأنار سبيله بمعالم وكلمات خالدة، حيث جمعت تلذ المنظومات في ديوان تحت عنوان: «ديوان شمس الدين التبريزي»، والذي يعتبر نقطة البدء في هذا الطريق الرحب الواسع بالحقائق والأذواق، والمتعة الروحية الكاملة، والحب والفناء في الله.
      أما عن بقية الشيوخ المتصوفة الذين أوردت الروايـات أنه التقى بهم، أو تتلمـذ على أيديهم، فهي غالبا ما تكون مــزعومة أو مختلقة غير موثوق بها، نظرا لأن الكثير منها تحـاول أن تربط  جلال الدين الرومي بأقطاب التصوف، خاصة إذا علمنا أن جـل من ذكرت الروايات أسماءهم عاشوا في غير جيل جلال الدين أو زمانه، كفريد الدين العطار المقتول على يد المغول سنة 627هـ.
      وكانت وراية تروى حول لقاء فريد العطار وجلال الدين الرومي سنة 672هـ على حين كان الأخير طفلا مهاجـرا مع والده، ولا أظن إلا أن الرواية من نسج خيال الرواة القدامى لربـط قطبي الصوفية( 9)

      الهوامش
        1) رجال الفكر والدعـوة ـ الجزء الثاني ص: 322، طبعة دار القلم.
        2) المصدر السابق، ص: 324.
        3) ص: 411، دار المعارف.
        4) رجال الفكر والدعـوة ـ الجزء الثاني، ص: 331، طبعة دار القلم
        5) رجال الفكر والدعوة ـ ص: 325، 326.
        6) رجال الفكر والدعـوة ـ ص: 328.
        7) المصدر السابق، ص: 328.
        8) رجال الفكر والدعـوة، ص: 328.
        9) التصوف عند الفرس ـ إبراهيم شنا، ص:32.
                                                      

      الديوان العربي لمولانا جلال الدين الرومي


      تقديم الدّيوان العربي للرّومي
      بقلم: خالد محمد عبده
      المصدر: مؤمنون بلا حدود




      الديوان العربي لمولانا جلال الدين الرومي
      صدر مؤخرًا عن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ببيت الحكمة
      أعدّه للنشر وقدّم له الكاتب والمترجم التونسي البَشِير قهْوَاجِي

      أتدري لماذا لا تنبىء مرآتك؟
      ذلك لأن الصدأ لم يُجل عن وجهها!
      مولانا جلال الدين الرومي... قطب من أقطاب التّصوف الإسلامي، إليه تُنسب الطريقة المولوية، وإن كان الرومي ليس صاحب طريقة بعينها، إذ الرومي إنسان كونيٌّ، يتجاوز كل الطرائق والبناءات المذهبية والدينية، وكذلك الأعراق؛ فهو إن تنازعه أهل إيران والأفغان باعتبار أصله البلخي، ولسان ديوانه ومثنويه الفارسي، أو الأتراك باعتبار مقامه في (قونية) أو العرب، باعتباره إرثًا إسلاميًّا قرأ القرآن وتأمّل القرب كما نصحه والده، أو بتنزيل عبارة إقبال في سيرته عليه: قرأ القرآن كأنه أُنزل عليه.
      لماذا لم يفسّر مولانا جلال الدين الرومي القرآن الكريم ويخصه بكتاب كما فعل أهل الأذواق والعرفان؟
      لأنّ القرآن الكريم حاضر مع مولانا في كل ما كتب وفعل؛ فحياته كانت قرآنا متجسدًا لحمًا ودمًا، تذكّرك محبته وعشقه بسورة يوسف، وحكمته بلقمان واجتماعه بشمس تبريزي باجتماع موسى والخضر، وتحطيمه لصورة الشيخ النظامي الذي يجلس في الرواق يلقي مواعظه على تلاميذه ويكرّر عليهم الأوامر بقصّة إبراهيم مع قومه، تذكرك هجرته إلى الشام وبحثه عن شمسه الذي أنتجه وحققه بسورة الضحى، تذكرك كلماته بسورة الانشراح... وما من كلمة كتبها مولانا إلاّ وأثر القرآن فيها ظاهرًا، لذلك إن أردت أن تقرأ تأويلاً وقصة حياة متجددة لإنسان لا تبلى، فاقرأ مولانا وكن معه حتى تصل إلى من كابد الشوق معه.
      لم أنظُمْ لك المثنوي لتحفظه أو تعيده،
      بل ابتغاء أن تضعه تحت قدميك لتستطيع الطيران.
      يُقدّم الديوان العربي لمولانا جلال الدين الرومي رئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ببيت الحكمة عبد الوهاب بوحديبة مُبديًا سعادته، وشاكرًا من قام بالعمل عليه، ومن وفّر جزءًا من المنمنمات الفارسية التي زادت الكتاب جمالاً وروحانية يصاحب جمال وروحانية الكلمة النورانية، التي أشرقت على صفحاته التي تجاوزت المائتين صحيفة.
      يُصدّر مُعدّ الكتاب (البشير قهواجي) الكتاب بمجموعة من المصادر والمراجع الفارسية: كليات شمس تبريزي والمثنوي المعنوي، ومقالات شمس تبريزي، ومعارف بهاء الدين ولد، وولد نامه لسلطان ولد، ومناقب العارفين للأفلاكي، ويزيد في ختام الديوان مراجع أخرى تحت عنوان جامع: بيبلوغرافيا مختصرة، يذكر فيها علاوة على ما سبق (فيه ما فيه) لمولانا، والمجالس السبعة، ومكتوبات، ويسرد قائمة من المراجع الفرنسية والإنجليزية التي أُلفت عن مولانا، بعد أن يذكر تراجم أعمال مولانا في اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
      مُتْ حَسْرةً عَلى الفَهمِ الصَّحِيحِ!
      يبدأ قهواجي الديوان العربي بمقدمة متميزة، يروي فيها موجزًا لسيرة مولانا، الهجرة من بلخ مفتتحه، ‎بلخ (= من أعمال أفغانستان) تلك البلدة التي تشرّفت بميلاد مولانا فيها، كما تشرّفت بوجود أولياء أكابر فيها من قبل، كإبراهيم بن أدهم الصوفي الشهير الذي ترك الشهرة والإمارة، وسار في طريق الله متجردًا مؤمنًا بأنه (ما صدق الله من أحب الشهرة) وعازمًا عزمًا وحقيقة على أن يُدفن حتى يتحقق له الميلاد، كذلك شهدت هذه البلدة ميلاد نجم جديد ينشر على الناس فوائح الجمال وفواتح الجلال، يُعلن تجربته على الملأ دون مخافة من سلطان أو فقيه، يسيح في الأرض طلبًا للطريق وغايته الله وتحقيق إنسانه، هو نجم الدّين الكُبرى صانع الأولياء، الذي ما رأى من صُنعِ الله شيئًا إلا ورأى الله فيه.
      كان مولانا الرومي من بيت نبالة وفقه وتقوى وأدب، فهو ابن لواد كان يُعامل من قِبَلِ السلاطين على أنه أهل سلطة دينية وروحية.
      حبذا مائدة المسيح التى لا تنقص،
      وحبذا فاكهة مريم التى طلعت دون حديقة.
      علّم الأبُ بالدّمِ والروح الولد الذي أضحى آية في العالمين أن الرُّوح نفخة إلهية، وأن الله هو القصد والغاية، وردد الرومي دعاء والده: إلهي بما أن دخيلتي وإدراكي وروحي كلها طاقة زهر بين يدي إرادتك، وبما أنك تهب ملكة إدراكي التي هي رهن يديك صفات! أعطني بلا رهق كتب حكمة، مثلما ألقيت في دخيلة موسى التوراة ومحمد القرآن وعيسى الأناجيل وداود المزامير!
      وقبل أن ينتقل مولانا إلى جوار محبوبه الأعلى أوصى بدعوة برهان الدين محقق ترمذي، ليكون عونًا لمولانا في رحلته الروحية، وكما كان يعرف والده كماله في تحصيل المعارف الشرعية والعلوم الظاهرية، حدّث برهان محقق مولانا عن ذلك، لكنه أراد لمولانا أن يفوز باللوزة ... كن كالفراشة، واهجم على النار، ولا تتجاوز هذا الأمر، والعب بطُهر، واترك القوة، وكن عاكفًا على الضراعة، فإن الرحمة تنصبُّ علىالمتضرع أيها الفقير.
      قضى مولانا جلال الدين الرومي سنوات في الشام تلبية لطلب شيخه الجديد، ومات مولانا قبل أن يموت، على سُنّة الدراويش، حتى أرادت العناية الإلهية أن يرى العالم فتحًا جديدًا، فأرسلت إليه شمس تبريزي، ليشعل نار العشق في قلبه، وليبعث البركان الذي لن يسكن بعد.
      إن الشريعة كالشمعة، توفر لنا نورا لا يقدّر بثمن.
      لكن يجب ألا ننسى أن الشمعة تساعدنا على الانتقال من مكان إلى آخر في الظلام,
      وإذا نسينا إلى أين نحن ذاهبون، وركزنا على الشمعة، فما النفع في ذلك ؟!
      فتح شمس تبريزي بابًا على ما لا ينتهي أمام مولانا الذي ترك حلقة الافتاء واعتزال المريدين، وترك درس القال لتحيا روحه ويولد إنسانه بالعشق صحبة السماع، وليجعل كل أيامنا أعياد ميلاد وبعث متجدّد.
      تشارك الشمس والقمر وجودًا استثنائيًا لا يدركه الآخرون، يحكون عنه، يقرأونه، يؤيدونه، ينكرونه، وما هم ببالغيه ...هما في سماع كوني، يأخذهما إلى جذور الإنسان السماوية، كل المدارات والكواكب أمامهما تتلاشى، الزمان يرتفع، الكلمات تتضاءل عن التعبير، الأنفاس سرمدية!
      أنا جوعان فأطعمني... قال حسام الدين لمولانا. عطشان فاسقني، لكن مولانا رأى أن الطعام الذي عنه لا تقوى أسنان مريده أو غيره على مضغه، ولا تستطيع معدة احتواءه، ما لدى مولانا من طعام إذا قُدّم يكثرُ بعده قول: "زمّلوني... دثّروني"!
      كنت أطلب شخصًا من جنسي، لكي أجعله قِبلةً وأتوجّه إليه، فقد مللتُ من نفسي.
      لم تفهم الصغار علاقة المتحققين، وانتابتهم مشاعر الغيرة والضعف، فنسجوا على الباب خيوط الوهم كي يمنعوا الشمس من الإشراق، طار "الطيار" الذي ما قنع يومًا بالرقود في كهف "الاتباع" يقولون: غاب، يقولون:"مات" المهم أن الشمس فارقت صحبة القمر، رحل سيدنا المعظّم شمس تبريزي بعد أن أقرّ لمولانا بالكمال وسلّى على قلبه قبل الارتحال قائلاً: إذا أصبح المريد كاملاً فلا يضيره أن يبتعد عن شيخه !
      في الصورة تبدّد الشمل، لكن الثمرة قد نضجت وأزهرت شجرة الروح، غنّى الرومي ورقص، سجّل الأتباع حديث القمر، رويت قصة العشق الكامل، أُعلن ميلاد الإنسان الكوني، بكت الأرض والسماء.
      فجرًا جاءني من يغار من حسنه الملاك
      مال على قلبي وبكى
      بكى وبكيتُ إلى الصباح
      سألني أيُّنا العاشق؟! غريبٌ أمرنا قال.
      كان هناك دائمًا كتابٌ مفتوحٌ بين يديّ
      لكن الحبَّ منحني ناقوسًا
      ومن هذا الفم الذي لم يكن غير تراتيل
      خرج سيلُ قصائد وغزل ورباعي.
      يقول مولانا أيضًا في كليات شمس تبريزي:
      أخجلُ من الكلام عن محياك
      والله أقفلُ فمي
      ماذا يمكنُ أن تأخذ قربة من المحيط
      ومع ذلك أخذت قربة مولانا بين سنة لقائه مع شمس 1244م وسنة وفاته 1273م حوالي سبعين ألف بيت من الشعر جُمعت في كليات شمس تبريزي، والمثنوي حوالي 26000 بيت، رغم أن مولانا شكا من الشعر، لأنه يقيّده ويحدّ من انطلاقه عن التعبير عما يريد؛وشكا أن قومه يمتهنون الشعر،وشكا أنهم يريدونه واعظًا يؤلّف عن الزهد ويشرح علوم الدين فحسب .
      إنني أفكر في القافية
      ويقول حبيبي لا تفكر إلاّ في لقائي
      مفتعلن مفتعلن قتلتني
      وترى آن ماري شيمل أن هذه المعاناة عاناها كل العارفين من مسلمين وغير مسلمين،ووجدوا حلّها في الصمت... الصمت هو الطريق الوحيد للحديث مع الله! وهم أنفسهم الذين قدموا الموسوعات الشعرية والنثرية، يتحدثون وفجأة يأمرون أنفسهم بالصمت!
      يقول مولانا:الصمتُ بحرٌ والقول كالجدول...والبحر يبحثُ عنك... فلا تبحث أنت عن الجدول.
      ويعلّق العلاّمة سيد حسين نصر رحمه الله في تقدمته لكتاب العشق والسلام على نظم مولانا قائلاً: المثنوي عملٌ بشريٌّ، إنما كتبه حكيمٌ وصل إلى أعلى مستوى من الكمال البشري، وحقق أعلى درجة من المعرفة الحكيمة، ومن ثمّ يقدر على تأليف عمل يعكس الكثير من الخصائص المميزة للنصِّ المُقدّس، الذي جاء المثنوي تعليقًا متعمقًا عليه، والذي يُضاهي إلى حدٍّ معين كلمة الله تركيبًا! أطلق عبد الرحمن الجامي على المثنوي "القران باللسان البهلوي-الفارسي" وإن المثنوي في أعمق معانيه هو تعليق على النصّ المقدّس للإسلام.
      فُتن البشير قهواجي بالأشعار العربية لمولانا جلال الدين الرومي بعد قراءته لديوان كليات شمس تبريزي، بتحقيق العلاّمة بديع الزمان فروزانڤر، الذي قضى شطر حياته الأكبر محققًا وشرحًا ومعرّفًا بمولانا وأعماله.
      جمع قهوجي القصائد العربية في الغزليات وقدّم لها، وجمع الرباعيات وقدّم لها، وكذلك الترجيعات، وكذلك المقطّعات واللمعات، وقسّمها على النحو التالي:احتوت كلّيات شمس تبريزي على:
      - غزليات: وعددها ثلاثة آلاف ومائتان وتسعة وعشرون غزلاً، منها بالعربية تسع وثمانون غزلاً وخمس ومائة من اللمعات، منها أربع وأربعون من المقطعات.
      - ترجيعات: وهي قصائد مطوّلة عددها أربع وأربعون مع مقطع أخير، بعنوان مستدركات، منها خمس مقطعات قصيرة جدًّا بالعربية، تترواح بين البيت الواحد والمصراع.
      - رباعيات: وعددها ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانون رباعيًا، منها ثمانية عشرة بالعربية.
      لماذا نظم مولانا الرومي شعرًا بالعربية على الرغم من أن العربية لم تكن لغته الأساسية؟
      الشيء الذي يلفت النظر هو أنّ مولانا كان عاشقاً للقرآن الكريم والأحاديث النبويّة، يتضح ذلك من مكانة الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة في آثاره. فظهور الأشعار العربيّة لدى شاعر إسلامي كمولانا ليس غريباً.
      كما أنّ مولانا عاش لفترة طويلة في الشام، فمن الطبيعي أن تؤثّر هذه البيئة عليه وعلى مشاعره، وأن توجد فيه الرغبة في أن يتحدّث مع الناس بلغتهم، وينقل إليهم آراءه وأفكاره الدينيّة والعلميّة.
      ورغم ذلك، فإن من يقرأ المثنوي وديوان مولانا، ثمّ يقارن بين أشعاره بالفارسيّة والعربيّة يرى المستوى الرفيع في شعره الفارسي، ولا يلقى مثل هذا المستوى شعره العربيّ.
      من أشعار مولانا العربيّة:
      اقتبس مولانا ثلاثة أبيات مزدوجة من شعر الحلاّج، أوردتها فرح ناز رفعت جو، وأوردها البشير قهواجي، هي:
      أُقتُلُوني أُقُتُلوني يا ثِقــات إنّ فـي قَتلي حياةً فـي حَيـــاة
      يا مُنيرَ الخَدِّ يا رُوحَ البَقــا اجتَذِبْ رُوحي وجُدْ لـي باللِّقــا
      لي حَبيبٌ حُبُّهُ يشوي الحَشا لَو يشا يَمْشي على عَيْني مَشى
      ويظهر تصرّف مولانا في هذه الأبيات بشكل واضح، إذ هو يستعير صوت الحلاّج وجزءًا من كَلِمِه للتعبير عن عشقه وتجربته.
      كذلك من أشعار مولانا العربية، ما أرسله إلى صِنو روحه شمس الدين تبريزي حينما ترك قونية وتوجّه إلى دمشق، وطلب فيها العودة إلى قونية. وتتألّف هذه الرسالة من ثلاثة عشر بيتاً، تسعة منها بالعربيّة، وهي:
      أيّهـا النورُ في الفؤادِ تعـالْ
      أنتَ تَـدري حياتنا بيديــكْ
      أيُّها العشقُ أيّها المعشُــوقْ
      يَـا سليمانُ ذي الهُداهُد لك
      أيّهـا السّـابقُ الذي سبقـتْ
      فمـن الهجر ضجّتِ الأرواحْ
      اُستـرِ العيبَ وابذُلِ المعروفْ
      طفـتُ فيـك البـلادَ يا قمـرًا
      أنت كالشمس إذْ دَنَـتْ ونـأتْ
      غايـة الجـدّ والمرادِ تعـالْ
      لا تضيـّقْ علـى العبادِ تعالْ
      حـلْ عن الصّدّ والعنادِ تعالْ
      فتفقَّـدْ بالافتقــادِ تعــالْ
      منك مصدوقةْ الوِدادِ تعـالْ
      أنجزِ الوعـدَ يا معادِ تعـالْ
      هكـــذا عـادةُ الجـوادِ تعـالْ
      بــي محيطـاً وبالبـلادِ تعـالْ
      يا قريباً على العبــادِ تعــالْ
      المراجع:
      -الشمس المنتصرة (دراسة آثار مولانا جلال الدين). آن ماري شيمل , ترجمة د. عيسى علي العاكوب. ط مؤسسة الطباعة والنشر لوزارة الثقافة الإسلامية بإيران.
      -العشق والسلام: المثنوي تفسير جديد- سيد جاهرمان صفافي؛ تقديم سيد حسين نصر؛ ترجمة مصطفى محمود؛ مراجعة طارق أبو الحسن، نشرة القاهرة.
      -العرفان الصوفي عند جلال الدين الرومي، فرح ناز رفعت جو، ط دار الهادي بيروت .
      -فيه ما فيه، لمولانا جلال الدين الرومي ترجمة العاكوب نشرة سوريا.
      -مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، نشرة مصر.
      -من بلخ إلى قونية، بديع الزمان فروزانڤر، سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة عيسى علي العاكوب، نشرة سوريا.

      جلال الدّين الرّومي والتّصوف - إيفا ميروفيتش

      جلال الدّين الرّومي والتّصوف
      تقديم كتاب إيفا ميروفيتش المستشرقة الفرنسية
      بقلم: أحمد الحسين
      المصدر: نُشر التقديم في مجلة التراث العربي وفي معابر

      صدرت الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب القيِّم من كتب المستشرقة الفرنسية القديرة إيڤا دو ڤيتراي مئيروڤتش سنة 1987، ثم قام لترجمته من الإنكليزية إلى العربية د. عيسى علي العاكوب [1].
       
      غلاف الطبعة الفرنسية الأصلية من الكتاب.
      ويتألف الكتاب، في طبعته العربية، من مقدمة للمترجم، ومدخل للمؤلِّفة، وأربعة مباحث أساسية، هي على التوالي:
      -       الشيخ وحياته وطريقته وآثاره؛
      -       الطريق الروحي أو التصوف عند جلال الدين الرومي؛
      -       التعليم الصوفي؛ و
      -       حضور التصوف؛
      بالإضافة إلى ثبت بالمراجع وبعض الصور والرسوم الإيضاحية.
      أولاً: الشيخ: حياته، طريقته، آثاره [2]
      في عصر كان يمور بالاضطرابات والصراعات الداخلية والخارجية، ولد جلال الدين الرومي؛ وكانت ولادته سنة 1207 م في مدينة بلخ التي نُسِبَ إليها كبارُ العلماء والفلاسفة والفقهاء، كالفردوسي وابن سينا والغزالي. وقد غادرها أبوه بهاء الدين وَلَد، الملقب بـ"سلطان العلماء" – وهو صوفي وعالم دين – سنة 1219 م هربًا من الغزو المغولي القادم من الشرق الذي دمَّر المدينة بعد عام وأتى عليها.
      توجَّه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج. وفي نيسابور، التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار النيسابوري، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه أسرار نامه. ولقد ظل الرومي معجبًا بالشاعر الصوفي طوال عمره، وكان يردِّد القول:
      لقد اجتاز العطار مدن الحبِّ السبع، بينما لا أزال أنا في الزاوية من دهليز ضيق.
      بعد العودة من مكة، استقرت عائلة الرومي في أرْزَنْجان، وهي مدينة في أرمينيا، احتلِّها علاء الدين كَيْقُباذ السلجوقي، ومنها دعا بهاء الدين وَلَد، والد جلال الدين، إلى قونية. ولما وصل إليها استقبله بالتبجيل والاحترام ورحَّب به وابتنى له مدرسة في وسط البلدة. وكان بهاء الدين رفض عرض كيقباذ بأن يقيم معه في قصره.
      كان جلال الدين يُدعى عادة بـ"خُداوندكار"، ومعناه "مولانا" أو "شيخنا"، أطلق عليه ذلك اللقب والدُه بهاء الدين مذ كان صغيرًا، وبذلك كان ابنه سلطان وَلَد يخاطبه، وبهذا اللقب عُرِفَ بتركيا وفي أصقاع العالم الإسلامي كافة. أما "الرومي" فهي نسبة إلى إقامته في الأناضول، فيقال: مولانا جلال الدين الرومي. ويُروى أن جلال الدين تزوج من ابنة خوجه شريف الدين لالا السمرقندي سنة 623 ه‍/1226 م، فأنجب منها سلطان وَلَد وعلاء الدين جلبي. وبعد وفاة بهاء الدين وَلَد سنة 1231 م في قونية، حلَّ ابنُه جلال الدين الرومي مكانه في منزلته العلمية والدينية وهو آنذاك ابن أربع وعشرين سنة.
      تتلمذ الرومي على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجَّه إلى حلب للدراسة، ومنها انتقل إلى دمشق، وكان الشيخ محيي الدين بن عربي يمضي بها السنوات الأخيرة من عمره. ويُروى أن ابن عربي رأى الرومي من قبلُ يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: "يا سبحان الله! بحر يمشي خلف بحيرة!"
      مولانا جلال الدين الرومي كما تخيَّله رسام حديث.
      عاد جلال الدين إلى قونية، فاستقرَّ في مدرسته وتولَّى فيها تعليم الشريعة ومبادئ الدين والتوجيه الروحي، حتى عرض له حادثٌ غيَّر مجرى حياته وجعله صوفيًّا محترقًا بالمحبة الإلهية، كما عبَّر عن حاله بالقول:
      كنت نيئًا، ثم أُنضجتُ، والآن أنا محترق.
      ترجع بداية ذلك عندما التقى جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي، الدرويش الجوال، الذي وصل قونية سنة 1244 م وأقام في أحد خاناتها منقطعًا إلى نفسه. وذات يوم، تعرَّض شمس لموكب الرومي ومريديه، وجرت بينهما محاورة قصيرة أغمي بعدها على "مولانا"! وعندما استعاد وعيه، اصطحب شمسًا إلى المدرسة، وهنالك اعتزلا الناس في خلوة مدة أربعين يومًا، صار بعدها شمس الأستاذ الروحي للرومي، الذي ظل يحتفظ لأستاذه طوال حياته بحبٍّ وعرفان للجميل لا حدود لهما. وبلغ من تأثير "شمس تبريز" أنه استحوذ على روح الرومي ومشاعره ولم يعد يصبر عنه، مما دفع مريديه، كما أُشيع، إلى اغتياله سنة 1247 م.
      وبعد اختفاء شمس، أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي المعروف بـ"السماع"، ثم نَظَم في ذكرى شيخه وأستاذه الروحي مجموعة من الأناشيد حملت اسمه: ديوان شمس تبريزي، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإنْ كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.
      بعد ذلك اصطفى الرومي، صديقًا وشيخًا لمريديه، صلاح الدين زركوب، وكان هو الآخر مريدًا لبرهان الدين محقِّق الترمذي. وكان صلاح الدين صانعًا بسيطًا، يرتزق من الزخرفة والطلاء بالذهب ("زَرْكُوب")، ولكنه كان ضالعًا بـ"العلم الحقيقي الذي هو العلم بأمور الله". ولقد أثار ذلك غيرة مريدي الرومي، الذين فكروا بالتخلص من صلاح الدين؛ لكنه ما لبث أن توفي سنة 1258 م. بعدها اختار الرومي حسام الدين جلبي أستاذًا لمريديه، وأضفى عليه قدرًا عظيمًا من الاحترام والتبجيل. وقد اقترح حسام الدين أن يؤلِّف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه، فأجابه إلى طلبه وبدأ بنظم المثنوي، فكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها. وقد استمر ذلك إلى أن وافت المنية الرومي سنة 672 ه‍/1273 م.




      مقام جلال الدين الرومي في قونية، الأناضول.


      ضريح جلال الدين الرومي في المقام.
      طريقة "الدراويش الدوَّارين" (المولوية):
      أسَّس جلال الدين الرومي في تركيا الطريقة المولوية، ونظَّمها بعد وفاته ابنُه الأكبر سلطان وَلَد. ومن سماتها وخصائصها التي عُرفَتْ بها الرقص المعروف أو السماع، الذي أعطى الأعضاء اسم "الدراويش الدوَّارين" الذي عُرِفوا به في الغرب.
      كانت قونية المقر الأول للطريقة، ومنها انبثقت التكايا التي هي بمثابة فروع للمركز؛ وصار السلاطين والأمراء هم الذين يبنون التكايا منذ القرن العاشر الهجري. وفي عهد السلطان سليم الثالث، شهدت الطريقة أوج مجدها وانتشارها. ولم تكن المولوية تميِّز بين الأديان والمذاهب، بل ترفض التعصب وتنبذه. وكان أعضاؤها ينطلقون في جماعات إلى القرى لإسعاف الفقراء وإقامة حفلات السماع التي تعزِّي القلوب الحزينة.
      ولم تكن الطريقة في بداية حياة الرومي مركزية تمامًا: فهنالك المقر في قونية، وله فروع من التكايا في المناطق الأخرى. وكانت بطانة الرومي تتألف من الفنانين والحرفيين والصنَّاع المهرة الذين كانوا يقومون بالأعمال كلِّها. وبدءًا من القرن العاشر الهجري (السادس عشر للميلاد)، تغيرت الطريقة، فأصبح التنظيم مركزيًّا، وتولَّت الأوقافُ تنظيمَه والإشرافَ عليه وضبطَ الهبات والأعطيات المقدَّمة له، مما أفقده طابعه الشعبي، فصار أرستقراطيًّا، يبتعد شيئًا فشيئًا عن روح مؤسِّسه. ويبدو أن خوف السلاطين العثمانيين من مواقف بعض الفِرَق الصوفية جعلهم يدعمون المولوية في مواجهة الحركات والفِرَق الأخرى. ومن هنا أصبحت المولوية في القرن الثامن عشر جزءًا من مؤسَّسات الدولة العثمانية.
      وفي سنة 1925، قمع مصطفى كمال (أتاتورك) كلَّ الطرق الصوفية في تركيا، فأصبحت تكية حلب مركزًا للتكايا الأخرى بعد قونية. ثم استولت الأوقاف التركية على ممتلكاتها، وتحولت أكثر التكايا إلى متاحف. ومع ذلك، مازالت هنالك مراكز مولوية في مصر وقبرص وليبيا وغيرها.
      تأثير الطريقة المولوية:
      انتشر تأثير الطريقة المولوية في رقعة شاسعة من الأرض، تمتد ما بين أذربيجان إلى ڤيينا. ومع انتشار التكايا، انتشر المثنوي وأصبح له شعراؤه المنشدون العظام، ومنهم: إبراهيم بك، سلطان ديواني، أرزي، ديدي، شيخ غالب، وسواهم. كما انتشرت الموسيقى المولوية ورقص السماع، وأثَّرت التقاليد الفنية للطريقة في فنَّي الرسم والخط.




      دراويش يؤدون السماع في قونية...


      ... ودراويش يؤدونه في تكية الطريقة باسطنبول.
      ويُعَد السماع، أو الرقص الكوني للدراويش الدوَّارين، من أشهر فنون الطريقة المولوية. وهو طقس له رمزيته: فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الكفن؛ والمعاطف السود ترمز إلى القبر؛ وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر؛ والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة؛ والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى الأشواط الثلاثة في التقرب إلى الله، وهي: طريق العلم والطريق إلى الرؤية والطريق إلى الوصال؛ وسقوط المعاطف السود يعني الخلاص والتطهر من الدنيا؛ وتذكِّر الطبول بالنفخ في الصُّور يوم القيامة؛ ودائرة الراقصين تُقسَم على نصفَي دائرة، يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود أي صعود الروح إلى بارئها؛ ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها؛ أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثل القانون الكوني ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.
      وفاة الرومي وآثاره:
      توفي جلال الدين الرومي سنة 1273 م، تاركًا ديوان شعر ضخمًا يضم نحوًا من خمسة وأربعين ألف بيت، مقسَّم على ستة أجزاء. وقد جاء اسمه "المثنوي" من الوزن العروضي الخاص المستعمَل في نظمه، ويتألف من أبيات مفردة مقسمة على شطرين مقفَّيين، ينطوي كلٌّ منهما على عشرة مقاطع. ومضمون المثنوي حكايات وأحاديث نبوية وأساطير وموضوعات من التراث الشعبي ومقتبسات قرآنية، وهو ملحمة صوفية [3].
      كما ترك الرومي ديوان شعر بعنوان شمس تبريزي [4] . وله كتاب نثري عنوانه فيه ما فيه [5]، يتألف من أحاديثه التي دوَّنها ابنُه الأكبر سلطان وَلَد؛ وهو على قدر كبير من الأهمية لفهم فكر الرومي والتصوف عمومًا. ومن مؤلَّفاته الأخرى: المجالس السبعة[6] ، وهو مجموعة من النبوءات الشهيرة. وله كذلك خوابنامه، وهو كتيب في تفسير الرؤيا، بالإضافة إلى رسائل الرومي التي تكشف عن حياته الخاصة والمرحلة التي عاش فيها.
      ثانيًا: الطريق الروحي – التصوُّف
      يقول سنائي:
      إذا سألتني، يا أخي، ما علامات الطريق، فسأجيبك بوضوح لا لبس فيه: الطريق أن تنظر إلى الحق وتُزهِقَ الباطل. ولا يكون التصوف حقيقيًّا ما لم يحقَّق بطريقتين: التزام الشرع والبحث عن المعنى الباطني. فالشريعة تختص بالشعائر والأعمال التعبدية، بينما تتعلق الحقيقة بالرؤية الباطنية للعظمة الإلهية؛ وتوجد الشريعة من أجل عبادة الله، بينما توجد الحقيقة من أجل التفكر فيه؛ وتوجد الشريعة لكي نطيع أوامره، بينما تجعلنا الحقيقة نفهم أوامره.
      وقد أكد الرومي في مثنوياته التلازم الوثيق بين الشريعة والحقيقة، فقال:
      الشرع مثل قنديل يضيء الطريق. فإذا كنت لا تحمل القنديل لا تستطيع أن تمشي. وعندما تتقدم في الطريق تكون رحلتك هي الطريقة، وعندما تكون قد وصلت إلى الهدف تكون قد بلغت الحقيقة.
      وفي عبارة أخرى،
      تشبه الشريعة تعلُّم الكيمياء من أستاذ أو كتاب، وتُشبه الطريقة استخدام منتجات الكيمياء أو فَرْك النحاس بالحجر الكيميائي، وتشبه الحقيقة تحول النحاس فعليًّا إلى ذهب. والشريعة تمثل الطريق الواسع المُعَدَّ للناس جميعًا، في حين أن الطريقة مسلك ضيق من نصيب العدد القليل من أولئك الذين يريدون تحقيق مرتبتهم الكاملة بوصفهم أناسًا كُمَّلاً.
      ولما كانت طبائع الأفراد والشخصيات وقدراتهم الروحية متباينة، فإنه يمكن القول بأن هنالك طرقًا فردية بقدر ما أن هنالك أفرادًا يبحثون عن الله ("الطرق إلى الله كنفوس بني آدم"). ومن هذا المنطلق، لا يستطيع المتصوفة تقديم تفسير عقلاني للطريقة، لأن المعرفة التي ينشدونها يتم بلوغها والتوصل إليها فقط بفضل من الله وبمساعدة التعاليم الروحية وتوجيهات شيخ الطريقة.
      لهذه الأسباب مجتمعة، ليس ثمة إجماع على تعريف التصوف. فقد يعود معنى التصوف إلى "الصوف" أو "الصفاء" أو إلى "أهل الصُّفَة" من أصحاب النبي. ومع ذلك فثمة تعريفات مختلفة تشرح التصوف وتعرِّف به، ومن ذلك ما قاله ذو النون: "الصوفي هو مَن إذا تكلَّم نبعَ كلامُه من حقيقة وجوده." وقال أبو الحسن النوري: "الصوفي هو مَن لا يملك شيئًا ولا يملكه شيء." كما قال النيسابوري: "التصوف أن لا يهتم الإنسان بظاهره وباطنه، بل ينظر إلى كلِّ شيء على أنه لله."
      الدربة على الطريق:
      إن بداية الطريق، كما يذكر جلال الدين الرومي، تقتضي تغييرًا في الإدراك، وتحولاً في المعرفة، ودأبًا في السؤال. والبحث الذي يهدف إلى إغناء التجربة الروحية للصوفي وعروج الروح إلى ربِّها في رحلة إسراء يتطلب من السالك محاولة تسلُّق سُلم مراتب الوجود الكوني، حيث يخاطب الإنسانُ نفسَه فيقول:
      في اللحظة التي دخلتَ هذا العالم
      وُضِعَ أمامك سلمٌ ليمكِّنك من النجاة.
      في الأول كنت جمادًا، ثم صرت نباتًا،
      ثم بعدئذٍ صرت حيوانًا: كيف يمكن لك أن تتجاهله؟
      ثم جُعِلتَ إنسانًا موهوبًا معرفةً وعقلاً وإيمانًا.
      انظر إلى هذا الجسد المصنوع من التراب، أيَّ كمالٍ اكتسب،
      وعندما تتجاوز شرط البشرية، لا شكَّ في أنك ستغدو ملاكًا.
      بعدئذٍ ستنتهي من هذه الأرض، وإقامتك ستكون في السماء.
      يتبيَّن مما سبق أن السير على طريق الصوفية يتطلب لدى المولوية إعدادًا خاصًّا، يخضع المبتدئ بموجبه لتدريب روحي يستمر ثلاث سنوات. فإنِ استجاب لكلِّ ما يطلب منه شيخُه قُبِلَ في الطريقة وأصبح واحدًا من أعضائها. ويقوم المبتدئ في السنة الأولى بخدمة الناس، وفي الثانية بخدمة الحق، وفي الثالثة بمراقبة قلبه: ولا يستطيع المريد المبتدئ خدمة الناسإلا إذا نظر إليهم على أنهم أسياد وخير منه ورأى واجبًا عليه خدمتهم جميعًا؛ ولا يستطيع خدمة الحق إلا إذا تخلَّى عن كلِّ غرض ذاتي، سواء كان من أجل هذه الحياة الحاضرة أو الحياة الآجلة، أي التأكيد على أنه إنما يعبد الله حبًّا بالله فقط؛ وليس في مقدوره أن يحرس قلبه إلا عندما يستجمع أفكاره ويتخلَّى عن كلِّ شاغل، بحيث يبقى في حديث ودي مع الله في قلبه، مواجِهًا هجمات الغفلة. فإن بلغ المبتدئ تلك المؤهلات يستطيع ارتداء المرقَّعة على أنه متصوف حقيقي، وليس مقلِّدًا.
      تجربة الطريق:
      وخلال رحلة المريد إلى التحقُّق الروحي وبلوغ الفضائل التي لا بدَّ من تمثُّلها ونوالها، يجب عليه أن يخضع لتهذيب الطريقة في التواضع والمحبة والإخلاص: ينشأ التواضع عن إدراك الوحدانية: فالله وحده كائن، وكل شيء سواه تابع له أو خاضع؛ وإذا كان التواضع يعني موت شيء ما في النفس أو انقباضها، فإن المحبة الروحية انبساط يأذن للإنسان أن يحقق الوحدة مع الناس جميعًا؛ ويُعَد الإخلاص أو الصدق قمة الفضيلتين الأخريين ويُبنى عليهما، وهو يعني رؤية الأشياء على طبيعتها الحقيقية. والفضائل الروحية تماثل الأحوال، وتتصف بالسرعة والزوال؛ أما المقامات فهي منازل دائمة. والأحوال مواهب، أما المقامات فهي اكتساب. وعلى هذا النحو، يرى السالك أحواله تتغير وتصير أسهل عليه. ومن أجل كلِّ مقام يتحمَّله حبًّا بالله راجيًا فضله، سيُجازى صلاحًا وإحسانًا وقبولاً.
      ذكر الله:
      يُعَد الذكرُ المنهج الرئيسي للتصوف. وأسُّه دعاء لا يتوقف، عدا الصلوات المفروضة. وقد ذكر الرومي في المثنوي:
      إن المريد في الطريق ينبغي له أن يدعو الله في الخلوة حتى يصير كيانه كلُّه صلاة. فالذكر هو المحور الأساسي للتصوف، والدعاء في جوهره ذكر الله. قال تعالى: "فاذكروني أذكركم" [البقرة 152]، وقال سبحانه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" [الرعد 28].
      وبحسب درجة المريد يكون الذكر. وقد يكون فرديًّا، كما يكون جماعيًّا، حيث يجلس الدراويش حول شيخهم، ويبدؤون الذكر بتلاوة القرآن؛ ثم تُلقى بعضُ القصائد الصوفية، ويُعزَف بالناي، ويتم الترنُّم ببعض أسماء الله الحسنى؛ ثم يأخذ الحالُ بعضَ المتصوفة، فيبدأ الرقص أو السماع. وتؤدي الموسيقى دورًا هامًّا في التأثير وبلوغ تلك الحال.
      الحب ونهاية الطريق:
      على أن كلَّ شيء في الصوفية يقوم على الحب ويُبنى عليه. يقول جلال الدين الرومي:
      الحب هو ذاك اللهب الذي عندما يتأجج يحرق كلَّ شيء، ولا يبقى ثمة إلا الله.
      ويضيف العطار: "للحب ثلاثة طرق: النار والدمع والدم." ويقول صوفي آخر: "سبب الخلق الجمال، وأول الخلق الحب." والحب عند الصوفية يمثل روح الكون. وعلَّة الحب توق الإنسان إلى العودة إلى منبع وجوده. والموسيقى والرقص ودوران النجوم وحركة الذرات وصعود الحياة على سلَّم الوجود، من جماد إلى نبات، ومن حيوان إلى إنسان وملاك وما بعده، – كل ذلك مبعثه الحب، الذي هو سبيل إلى اكتشاف الأسرار. والروح الذي أُبعِدَ عن حقيقته الجوهرية يحنُّ إلى اللقاء الذي سيُظهِر له أن العاشق والمعشوق شيء واحد. يقول الرومي:
      جاء الحب: هو مثل الدم في عروقي وفي لحمي،
      وقد أفناني، وملأني بالمعشوق،
      والمعشوق تخلَّل كلَّ خلية في جسدي،
      ومنِّي لم يبقَ سوى اسم، وكل شيء آخر هو هو.
      إن طريق الحب في الصوفية يؤدي إلى بلوغ السالك مرحلة الإنسان الكامل أو الإنسان الكلِّي، الذي هو قلب الكون والذي يكون، بتخلِّيه عن الوجود الجسدي، قادرًا على أن يكتشف في نفسه ذلك "الكنز المخفي"، بحسب الحديث القدسي، الذي يبحث عنه الإنسان في مكان آخر عبثًا، بينما هو في داخله.
      ثالثًا: التعلُّم بالسؤال
      سبقت الإشارة إلى أن الصوفية لم يُقدِّموا نظرية عقلانية للتصوف. في ضوء ذلك، لم يقدم الرومي نظرية ميتافيزيقية، بل قدَّم منظورًا وسبيلاً للنجاة. وكان يعي أن مسؤوليته هي إنقاذ النفوس من التيه، إذ يقول:
      إنْ سمحنا لأنفسنا بأن تخلد إلى الراحة، فمَن سيأتي بالعلاج لهؤلاء النيام البائسين؟
      ومن هنا كان يلحُّ على اصطحاب المرشد في الرحلة الروحية، إذ يقول:
      اخترْ لك شيخًا، لأنه من دون الشيخ تكون الرحلة حافلة بالمحن والمخاوف والأخطار، ومن دون مرافق ستضيع في طريق كنت قد سلكته من قبل. لا تسافر وحدك في الطريق.
      وفي التصوف يكون الرباط بين الشيخ والمريد أساسيًّا، ترسِّخه بيعة بين إرادتين حرتين. والشيخ الحقيقي يعمل كلَّ ما بوسعه في سبيل مساعدة هذه النفوس "النائمة" على اكتشاف الحق المكنون في أعماقها. وفي نهاية التأهيل الذي يقوم به الشيخ، تبدأ عين الباطن بالكشف، الذي يُعَد المعرفة الحقيقية الوحيدة. وإلى هذه الغاية تتوجه الطرق كلُّها.
      مناهج التعليم:
      الرومي بـ"الإنسان الصغير" أو "الفقير" أو "الروح السامي"، الذي هو حقيقته العميقة. ولا شكَّ أن التناغم الروحي، وتعلُّق الشخص بالشخص بين الشيخ والمريد، ورمزية الحكاياتِ الأخلاقيةِ المغزى التي تكشف عن البُعد بين الإشارة المدرَكة والحقيقة المدلول عليها، والجدل الذي يستكشف به الطالبُ نفسَه، والأسئلة والإجابات والحقائق التي اعتقد أنه قد جهلها، – هذه جميعًا بعض من هذه المناهج أو الطرق.لتحقيق ذلك يستعمل شيوخ التصوف وسائل كثيرة لتهيئة المريد لكي "يصير على ما هو عليه" ولمساعدته على ولادة "الروح الكامن في نفسه الباطنة". وهو ما سماه جلال الدين
      أما السماع فهو طقس ديني، يبعث في المؤدي حالاً يكون قادرًا فيه على "سماع" ذلك النداء المرسَل منذ زمن بعيد خارج الزمان، مذكِّرًا بعالم الألحان الأزلية. والمنطلق في ذلك هو أن نفترض أن المريدين يتمتعون بقدرات متباينة، مما يستلزم أن يتمثل عمل الشيخ في التكيف مع قابلياتهم وطاقاتهم الذاتية.
      التعليم بالرمز:
      وفي هذا المنحى، على الشيخ أن يضع نفسه في مستوى المريد ليساعده على الظفر بالمعرفة. وعند جلال الدين، تتباين درجات النفوس تبعًا لمقدار ما "تتذكر"، ذاك لأنها وُجِدَتْ قبل حياتها الأرضية. وترتبط روحية الرقص الديني بذلك التذكر. قال مولانا:
      عندما يعرف روحُك روحي معرفةً تامة، فإن كلا الروحين يتذكر أنهما كانا روحًا واحدًا في الماضي. والنفس التي تسبِّح الله في هذه الدنيا تفعل ذلك لأنها قد فعلته إبَّان وجودها الأول، وبفعلها ذلك، تذكِّر النفوس الأخرى بيوم اللقاء الأول.
      وعلى الشيخ أن يغذِّي مريده بلبَن المعرفة، إلى أن يصير في مقدور المريد الاستغناء عنه. ولعل التعليم بالرمز والصور والإيحاءات أحد وسائل الشيوخ في تدريب المريد وتوجيه مسيرة السالك الذي يجيب داعي الله نحو التدرج والانتقال من الوهمي إلى الحقيقي، من المرئي إلى غير المرئي، ومن الإشارة إلى المدلول.
      وفي ذلك يؤكد الصوفية أن قراءة القرآن وتلاوته تمنح المسلم النقي مصدرًا للروحانية متجددًا على الدوام. وإذ ينشد المريد المعنى الخفي بحدسه وكشفه الذاتي، يدرك أن القصص مثل المكيال، وأن المعنى كالحَبِّ الذي يحتويه، والعاقل مَن يأخذ حَبَّ المعنى ولا يتوقف عند المكيال. ويوضح ذلك قولُ جلال الدين الرومي:
      لم أنظُمْ لك المثنوي لتحفظه أو تعيده، بل ابتغاء أن تضعه تحت قدميك لتستطيع الطيران.
      فـالمثنوي هو سُلَّم للعروج نحو الحقيقة. وإذا كان الصوفية يستخدمون التمثيلات والصور فذلك لمساعدة الإنسان ذي القلب الهائم والعقل الضعيف على إدراك الحقيقة. فالحق، كما يقول الرومي،
      وصف نفسه بـ"الظاهر" و"الباطن" [الحديد 3]. وقد جلَّى العالم بوصفه باطنًا وظاهرًا، بحيث نستطيع إدراك المظهر الداخلي للحق – سبحانه – بباطننا والمظهر الخارجي بظاهرنا.
      تطهير النفس:
      ولبلوغ ذلك يؤكد الصوفية أن تجلِّي الله للعالم لا تدركه إلا العين المطهَّرة. والعين المطهَّرة، المفتوحة، هي التي ترى أن الكون هو كتاب الحقيقة العليا، والقلب الذي صقلتْه المجاهدات وحده يمكن له أن يغدو المرآة الصقيلة التي تعكس الصفات الإلهية. والصفة المطلوبة في المرآة هي تشبُّعها بالإيمان. ولكي تعكس الصورة تمامًا، يجب أن يكون سطحُها صقيلاً جدًّا. يقول الرومي:
      قلبي صافٍ كالسماء، وفي مرآة الماء ينعكس ضياءُ القمر.
      ويشبه التأثير الذي تتركه الذنوب في القلب بالتراكم البطيء للصدأ على المعادن؛ أما المجاهدات فتشبه بفعلها الصقل. والقلب الطاهر، المصفَّى من حبِّ الدنيا ومباهجها، في مقدوره أن يتذكر الله – عزَّ وجلَّ –، مما يعطي الوجود بُعدًا آخر، ويعطي الحياة غايةً أساسيةً هي الحنين إلى الحالة الروحية الأولى وبلوغ المعرفة الحقيقية والكلِّية.
      رابعًا: حضور التصوُّف
      من الجليِّ أن التصوف، وإنْ كان مسلكًا ذاتيًّا لاكتمال مسيرة الروح وتطهيرها، فإن حضوره كان واسعًا في مجالات الفن والثقافة والحياة الاجتماعية. وفي الحديث: "الله جميل، يحب الجمال." ويعلِّق ابن عربي على ذلك قائلاً:
      إذا كان الله يحب جمال الصور فلأنها مرآة جماله مثلما هي مرآة الوجود.
      ويضيف الرومي إن الجمال مقدس، وتأمُّله يجعل المرء يشارك في القداسة. وقد أشار الرومي كثيرًا إلى أهمية التأثير الروحي للجمال الذي يُلقي بالناظر في متاهات الحيرة والدهشة. وقدرة الفن على إيجاد المقدس تتمثل في الإعادة؛ والإنسان المبدع يعيد الخلق بمساعدة الشعائر. وكل صلاة تعني أن يكون الإنسان في تناغم مع كون مقدس، يصلِّي فيه الطائر عندما ينشر جناحيه والشجرة عندما تلقي ظلاًّ.
      ومن المؤكد أن عددًا كبيرًا من الصوفية لم يكونوا مجرد نُسَّاك زهَّاد، بل شعراء يتغنون بالمحبة الإلهية؛ ومنهم: عمر بن الفارض، العطار، سعدي، حافظ، سنائي، الجامي، وغيرهم ممَّن وضعوا العديد من الدواوين الشعرية والكتب والرسائل. كما ألهم التصوف المبدعين في فنون الموسيقى والغناء. وكانت الطرق الصوفية جسرًا بين عقلانية المراتب الصوفية العالية وبين التدين الشعبي. وشعراء التصوف هم الذين نظموا أناشيد الحب المخلص والتضرع في اللهجات المختلفة للجماعات، مما غدا سبيلاً لتثقيف هذه الجماعات. ومن المفيد أن نشير إلى أن الطرق الصوفية أدَّت مهمةً كبيرةً في المجتمعات النقلية في العالم الإسلامي، كان الناس خلالها يعيشون في ظلال الزوايا، يستمعون إلى تلاوة القرآن وإلى أناشيد المتصوفة ويشاهدون رقصاتهم. وبذلك تؤدي الطرق الصوفية وظيفة تثقيفية واجتماعية، حيث لا فوارق طبقية بين أبناء الطريقة وأتباعها.
      وفي النهاية، فإن للتصوف مسيرة طويلة وتاريخ طويل؛ ذلك أن انطلاقة التصوف تعود إلى القرون الإسلامية المبكرة. لكنه اتخذ طابعًا مؤسَّسيًّا في وقت متأخر، حيث لازم ذلك ظهور الأربطة والخانقاهات والزوايا التي انتشرت منذ القرن الثاني للهجرة، وصارت فيما بعد مدارس الطرق الصوفية، تتولَّى تقديم الطعام والمبيت، وتقوم على نظام يكون بين أعضاء الجماعة من جهة، وبين الشيخ والمريد من جهة ثانية. أما أشهر الطرق الصوفية، إلى جانب المولوية، فهي: السُّهْرَوَردية، الشاذلية، الكُبْروية، النقشبندية، الرفاعية، القادرية، الخلوتية.
      كلمة أخيرة:
      بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب، القيِّم بمادته وأفكاره، يُعَد من الدراسات الهامة التي يحتاجها القارئ، سواء كان هذا القارئ يهتم بالمعرفة الروحية في الإسلام، أم كان يتطلع إلى قراءة أدب إسلامي في نماذجه الرفيعة، أو كان ذا اهتمام بعلم النفس وقضايا التحليل النفسي. إنه كتاب غني بمعلوماته ورموزه وإشاراته، التي تمثل في جوهرها "رسالة لحقيقة متقدة قائمة على التجربة الشخصية" لجلال الدين الرومي، الرجل الذي كان من أعظم شعراء الصوفية في كلِّ الأزمان.

      *** ***

      الهوامش 
      [1] إيڤا دي ڤيتراي ميروڤيتش، جلال الدين الرومي والتصوف، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2000؛ 232 صفحة من القطع المتوسط.
       [2] انظر أيضًا: بديع الزمان فروزانڤر، من بلخ إلى قونية: سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2006.
      [3] انظر: مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، 6 مجلدات، بترجمة وشرح وتقديم إبراهيم الدسوقي شتا، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1996-1997.
       [4] انظر: يد العشق: مختارات من ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، 2002.
       [5] انظر: كتاب فيه ما فيه لمولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق/دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002.
       [6] انظر: جلال الدين الرومي، المجالس السبعة: آفاق جديدة ورائعة في الرمزية الإسلامية، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق، 2004.

      عن الرومي بالعربية

      نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية