المنشورات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرومي بالعربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرومي بالعربية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 ديسمبر 2014

ليلة عُرس العاشق الفرد



ليلة عُرس العاشق الفرد
انتقالُ مولانا جلال الدّين الرّوميّ
بقلم: خالد محمد عبده

لا تبحث عن قبرنا في التربة بعدما نموت
بل ابحث عنّا في قلوب العاشقين
أهلُ كلِّ دين محبون صادقون له، وأناسُ كلّ ملّة عاشقون له، كلّ من رآه تُيّم به، وكل من سمعه فُتن به، وما استطاع حزن كتم حزنه عند وقوع هزة الأرض العنيفة، فشق جيبه وأهال التراب فوق رأسه حزنًا على انتقال (نور الرسول) الكلّ أخذ في الصراخ والتأوه النصارى واليهود والمسلمون، عينُ حسدٍ أصابت الخلق فاحترقت الأرواح من صدمة ذلك البرق، وعندما اصفرّ وجه شمس الظّاهر، ومالت إلى الغروب، نزعت شمس العرفان تلك شعاعَ العناية من القالب الجسماني، وانتقلت من هذه الدُنيا الدنية إلى عالم الغيب.
روى سلطان ولد شعرًا وفاة مولانا جلال الدين الرّومي محددًا التاريخ بالخامس من جمادى الثانية من عام 672م الموافق للسابع عشر من كانون الأول من عام 1273م، وهو نفسه التاريخ المكتوب على مرقده الشريف.
يُقال إنه في الليلة الأخيرة التي اشتد فيها مرض مولانا اضطرب المحيطون به اضطرابًا عظيمًا وكان سلطان ولد ابن مولانا يأتي في كلّ لحظةٍ إلى عند رأس والده وعندما لا يتحمّل هذه الحالة كان يخرج من الحجرة. وقد نظم مولانا غزلاً في ذلك الوقت، وهو آخر ما نظمه:
امض وضع رأسك على الوسادة واتركني وحدي
اتركني متعبًا ساهرًا مُبْتلى
نحن وموجُ العشق وحيدين من الليل إلى النهار
فإن شئت فتعال من فضلك، وإن شئت فامضِ  
الليلة الماضيةُ في المنام رأيتُ شيخًا في محلة العشق
أشار بيده قائلاً: ارحل إلينا
ويروي الأفلاكي أن زوجة مولانا قالت له في ذلك الوقت: مدّ الله عمر مولانا إلى أربع مئة سنة لكي يملأ العالم بالحقائق والمعارف، فقال مولانا: هل أنا فرعون؟ هل أنا النمرود؟ نحن لم نجي إلى عالم التراب من أجل البقاء، نحن محبوسون في حبس الدنيا أرجو أن نصل قريبًا إلى مأدبة الحبيب، ولولا إصلاحُ الفقراء وإرشادهم لما اخترتُ لحظة واحدة الإقامة في مستقر التراب.
يوم وفاتي عندما يكون تابوتي منطلقًا
لا تظن أنني متألمٌ من أجل هذه الدنيا
لا تبكِ عليّ ولا تقُل وآ أسفاه وا أسفاه!
تقع في حبائل الشيطان حين يأتي منك هذا التأسف
وعندما ترى جنازتي لا تقل: فراقٌ .. فراق
فذلك الزمان هو زمانُ الوصال واللقاء عندي
وإذا ما أودعتني القبر، فلا تقل وداعًا وداعا
ذلك لأن القبر سرٌّ لاجتماع الجنان
إذا رأيت النزول فانظر إلى الصعود
فلماذا يكون الغروب إيذاءً للشمس والقمر؟!
وأيّة بذرة دُفنت في الأرض ولم تنمُ
فلماذا يكون لديك هذا التشكيك في بذرة الإنسان
يتراءى لك أنني دُفنت في التراب
إن تحت قدمي هذه السماوات السبع

لم يكن مولانا جلال الدين الرّومي منزعجًا من الموت أو مستغرقًا في الانشغال به، فما الموت إلا خطوة للانتقال إلى لقاء المحبوب.
يروي الجامي في نفحات الأنس أنه عندما انتشر خبرُ مرض مولانا في قونيه أخذ الناس يأتون لزيارته والاطمئنان على صحته، وجاء الشيخُ صدرُ الدنيا وقال له: شفاك الله شفاءً عاجلاً، ويكون لك رفع درجات، آملُ أن يصحَّ بدنُك، لأن حضرة مولانا روحُ العالم. فقال مولانا: بعد هذا شفاء الله لكم، فما بقي بين العاشق والمعشوق إلاّ قميصٌ من الشعر، ألا تريدون أن يتصل النورُ بالنور!
ويندهش سبهسالار المؤرخ لحياة مولانا من فرح الرّومي وترحيبه بالموت الذي تجسده أشعاره وكلماته، ويتعجّب من أن يكون مخلوقًا قبله أو بعده ضارع كلامه في هذا الشأن.
يقول مولانا في بعض أشعاره:
يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك
انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا
إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة
الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس
إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة
فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن
وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا.
عند غروب شمس يوم الأحد السابع من كانون الأول/ديسمبر من عام 1273 حُمل نعشُ مولانا بإجلال تام واكتظت شوارع المدينة بحشود من الناس من كافة طبقات الحياة، رجالا ونساء وأطفالاً وعامة وخاصة، ونصارى ويهود وروم وعرب وترك وغيرهم، ويذكر محمود مثنوي خان الذي روى قصة حضور أهل الأديان للجنازة أن أحد المسلمين سأل النصارى واليهود : ما علاقتكم بمولانا؟ فقالوا: إذا كان لدى المسلمين في منزلة مُحمّد، فقد كان لنا بمنزلة موسى وعيسى، وإذا كان لكم إمامًا ومُقتدى  فإنه يُعدُّ عندنا قلبنا وفؤادنا.
ويعبّر عن ذلك سلطان ولد قائلاً:  جعله النصارى معبودًا لهم، ورآه اليهودُ رائعًا مثل هود، قال قومُ عيسى: إنه عيسانا، وقال قوم موسى: إنه موسانا، وقال المسلمون: إنه خلاصة الرسول ونوره. قالوا: إنه بحرٌ عظيمٌ وعميق.. واستمر الأمرُ هكذا لأربعين يومًا، لم تخبُ لحظة الأشواق والحُرق، ثم بعد أربعين يومًا مضوا إلى منازلهم، صاروا جميعًا منشغلين بهذه الحكاية، كان حديثهم كلهم ليلاً ونهارًا: إن ذلك الكنز غدا دفينًا تحت التراب، وذِكر أحواله وحياته، وذكر أقواله وكلامه الشبيه بالدُّر.
صار مقام مولانا قبلة للعاشقين والمحبين، ومما عُلق على هذا المقام الشريف بلسان أحد العاشقين:
هذا المقامُ بمثابة كعبة للعُشّاقِ
من أتاه ناقصًا رجع كاملاً مكتملا.

المصادر:
-فرانكلين د. لويس: الرومي ماضيًا وحاضرًا، حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره. ترجمه إلى العربية وراجع أصوله الفارسية وقدّم له: أ.د. عيسى علي العاكوب، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب.
-بديع الزمان فروزانفر: من بلخ إلى قونيه، سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة: د.عيسى علي العاكوب، دار الفكر، سوريا.
-جيهان أوقويوجو: مولانا جلال الدين الرومي، دار النيل، مصر.

-أنّا ماري شيمل: الشمس المنتصرة، دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، ترجمه عن الإنكليزية وقدّم له وراجع مادته الفارسية الدكتور عيسى علي العاكوب، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران.

الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

من أنا - جلال الدين الرومي

مولانا جلال الدّين الرومي: من أنا ؟!
بقلم: خالد محمد عبده 
المصدر: موقع معابر، والبديل


أيها المسلمون ما التدبير، وأنا نفسي لا أعرف نفسي،
فلا أنا مسيحيٌّ، ولا أنا يهوديٌّ، ولا أنا مجوسيٌّ ولا أنا مسلمٌ،
ولا أنا شرقيٌّ ولا أنا غربيٌّ، ولا أنا بريٌّ ولا أنا بحريٌّ،
ولا أنا من عناصرِ الأرض والطبيعةِ، ولا أنا من الأفلاك والسماوات،
ولا أنا من التُّراب ولا أنا من الماء، ولا أنا من الهواءِ ولا أنا من النارِ،
ولا أنا من العرشِ، ولا أنا من الفرش، ولا أنا من الكون، ولا أنا من المكان!
ولا أنا من الهند، ولا أنا من الصين، ولا أنا من البلغار!
ولا أنا من أهل الدنيا، ولا أنا من أهل العقبی!
ولا أنا من أهل الجنة، ولا أنا من أهل النار!
ولا أنا من نسل آدم، ولا أنا من نسل حواء!
ولا أنا من أهل الفردوس، ولا أنا من أهل جنة الرضوان!
وإنما مكاني حيث لامكان، وبرهاني حيث لابرهان!
فلا هو الجسد ولا هو الروح، لأنني أنا في الحقيقة من روح الروح الحبيب.
يقول مولانا جلال الدين البلخي مولدًا الرومي مقامًا وحياةً هذه الكلمات، وقد اعتبر إدوارد بروان هذه الغزلية من أجمل الغزليات التي بدأ بها مولانا جلال الدين ديوانه شمس تبريز[1] وقام بترجمتها عن الإنجليزية العلاَّمة المصري إبراهيم أمين الشواربي، أستاذ اللغة الفارسية وآدبها في جامعة فؤاد الأول في عام 1954م ضمن ترجمته للجزء الثاني من كتاب تاريخ الأدب في إيران (من الفردوسي إلى سعدي)، وقد قارن الترجمة الإنجليزية بالأصل الفارسي للغزلية.
وعن الأصل الفارسي وحده قام الأستاذ علاء الدين السباعي مؤخرًا في كتابه مختارات من قصائد مولانا جلال الدين الرومي وغزلياته بترجمة الغزلية كاملة مما يساهم في جلاء معناها ووضوحها أكثر، فجاءت على نحو أبين وأظهر. يقول مولانا تتميمًا للغزلية أعلاه:
لقد تخلَّيتُ عن الثنوية، إذ رأيتُ العالمين عالمًا واحدًا
واحدًا فحسب هو من أبحثُ عنه
واحدًا فقط هو من عرفتُه
واحدًا فقط هو من أراه
واحدًا فقط هو من أناجيه
هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطنُ، لا أعرف أحدًا آخر سوى "يا هو" و"يا من هو".
أنا ثملٌ بكأس العشق... العالمان ضاعا من إدراكي ومعرفتي، ليس لي ما يقوِّمني سوى الاستغراق في النشوة الروحية.
لو أنني قضيتُ لحظة من عمري في يومٍ بدونك، لندمتُ على عمري منذ تلك اللحظة وتلك الساعة.
لو تيسَّر لي الجلوس معك للحظةٍ في هذه الخلوة لجعلتُ العالمين تحت قدمي ولرقصتُ طربًا.
وقد اعتبر هذه الغزلية الأستاذ عاطف جودة نصر، في كتابه الرمز الشعري عند الصوفية، رمزًا من رموز الحدس الصوفي المفضي إلى وحدة الأديان، وأراد أن يعضد رأيه فوجد في إحدى الغزليات لمولانا في ديوانه شمس تبريز، والتي ترجمها نيكلسون[2]، معينًا على ذلك. يقول جلال الدين الرومي:
نفسي! أيها النورُ المُشْرقُ لا تنأ عني... لا تنأ عني.
حُبِّي! أيها المشهدُ المتألِّقُ لا تنأ عني... لا تنأ عني.
أنظرُ إلى العمامة أحكمتُها فوق رأسي... بل أنظر إلى زنار زرادشت حول خصري.
أحملُ الزنار وأحملُ المخلاة؛ لا... بل أحملُ النور فلا تنأ عني!
مسلمٌ أنا ولكني نصرانيٌ... وبرهميٌّ وزرادشتيٌّ.
ليس لي سوى مَعْبدٍ واحدٍ... مسجدًا أو كنيسة أو بيت أصنام.
ووجهك الكريم فيه غايةُ نعمتي! فلا تنأ عني... لا تنأ عني.
ترجم هذه القطعة عن الإنجليزية دون مقارنتها بالأصل الفارسي العلاَّمة المصري أبو العلا عفيفي[3]، وقد استدلَّ بهذه القطعة نيكلسون على أن الصوفية يعتبرون الحبَّ أساس الأديان، وبهذه النظرة تمكَّنوا من حل مشكلة الشَّر والقدر[4]، فكما يقول مولانا: إنه بقدر حبِّ المرء لربِّه يكون علمه بأسرار القدر، لأن الحبَّ اسطرلاب أسرار السماء، وهو الكُحلُ الذي تكتحل به عين القلب فينجلي بصرها.
وفي الجزء الثاني من مختارات من ديوان شمس الدين تبريزي ترجم العلاَّمة المصري إبراهيم الدسوقي رحمه الله غزلية تحت عنوان اعزف أيها المطرب على القانون تنحو نحو الغزلية التي نعتني بها هنا، جاء فيها:
أيُّ إنسان أنا؟ وتراني من أكون؟ فأنا شديد الوسوسة، فأنا أُجذب من ذلك الصوب وأُجذبُ أيضًا من هذا الصوب.
ومن الشد والجذب كالقوسِ في كفِّ من يجذبني من أذني، وثمة فضيحةٍ تحدثُ ما دمتُ كبَابِ الدارِ.
فهل أنا نجمةٌ في الفلكِ؟ من برجٍ إلى برجِ أبكي في نُحوسها وأضحك في سُعودها؟
في لحظة أسرى كالريح، وفي أخرى عاطلٌ لا أصلحُ لعمل!
في لحظة نار وفي لحظة سيل... فمن أيِّ أصلٍ أنا؟ ومن أيِّ فضل أنا؟
في لحظة أكون فوق الطباق وفي لحظة في الشام أو العراق.
في لحظة أكون رفيقًا للقمر وفي لحظة أكون ثملاً بالإله.
في لحظة أكون يوسف في البئر وفي لحظة أكون أذى للجميع.
اعزف أيها المطربُ على القانون، هوس ليلى والمجنون، فلقد تخلَّصتُ من القيود، وخلعتُ وتد الوعي.
وبالله لا تفر منِّي ولا تُهرق قدح الحبِّ، وماذا يضير يا مليك الحِسان إن سمعت نصيحتي؟
وهيَّا أيها الأول والآخرُ قدِّم ذلك الشراب الفاخر، فقد صار هذا المجلس منوَّرًا بك يا عشقي المحمود.
وقدِّم هذه الخمرة الروحية من حانات المعاني، فإن عبدك لجدير حقًّا بأن يُعطى من هذه الخمر.
ولتجعل ناطقة الروح تطيرُ بعيدًا عن هذا المنطق الرسمي؛ فإن جواد نُطقي لا يجدُ الميدان.


إن ما نقلناه من غزليات تتردد كثيرًا على ألسنة محبِّي مولانا الرومي اليوم، ومنهم من يختزل الرومي فيها وحدها، ويراه فوق الأديان أو مؤمنًا بوحدتها جميعًا، ولا ينتبه إلى أنه يشير إلى الواحد وحده ويبحثُ عنه. ومنهم من يراه واقعًا في الحيرة، معبِّرًا عن ذلك بلسان الحال. کل مرة ألتقي فیها بالمولوي في عرصات دیوان شمس تبریز، تغشاني تلك الحیرة؛ ماذا یبغي الرومي؟ عم بیحث؟ ماذا یقول؟ بِمَ أحس؟ وأي طوفان تعکس هذه الجلبة التی لا یقرُّ لها قرارٌ؟
ومولانا جلال الدين الرومي نفسه من عبَّر في صراحة عن معتقده وكأنه يرى ما سيقع بعده من اختلاف:
إنني خادمُ القرآن، وذرة غبار في طريق المصطفى المختار صلى الله عليه وآله وسلَّم، وإني لأشكو أمري إلى الله من هذه الإسنادات وأُبرئُ نفسي من قائلها.
بل إنه يقول في صراحة في كتاب فيه ما فيه:
اعلم الآن أن محمدًا هو الدليلُ، وإذا لم يأتِ الإنسانُ أولاً إلى مُحمد، فإنَّه لا يُمكنُ أن يصلَ إلينا، مثلما يحدث عندما تريد أن تذهب إلى مكان، في البدء يعمل العقلُ دليلاً، بعد ذلك تعمل العين دليلاً، ثم تتحرك الأعضاء على هذا الترتيب.
ويخصص مولانا الفصل الخامس والعشرين من كتابه فيه ما فيه لشرح الحديث الواصف للنبيِّ (لولاك لولاك ما خلقتُ الأفلاك) ويصف النبيَّ قائلاً:
كل ما يمتلكه الأولون والآخرون إنما يمتلكونه بوصفه انعكاسًا له، وهم ظلُّه صلى الله عليه وآله وسلم.
بل إنه يرى أن جميع الأنبياء والأولياء والعارفين الذين جاءوا قبله بمثابة الظلِّ له، ولو دخل الظلُّ إلى بيتٍ قبل صاحبه فالداخل هو صاحبُ هذا الظلِّ في الحقيقة، لذا فإن جميع الأنبياء وإن جاءوا قبل النبي وسبقوه، إلاَّ أن هذا السبق نسبيٌّ، فكما أن جميع الفضائل التي تقوم بها اليدان والرجلان تعود إلى العقل، فكذلك فضائل جميع الأنبياء تعود إلى النبيِّ لأنه هو السبب في وجودهم.
أردت في هذه المقالة أن ألفت النظر إلى هذه الوجهة التي لا يراها الكثيرون اليوم من عشَّاق مولانا، أو يرونه فوقها، كما أردت بالعودة إلى الترجمات العربية أن أؤكد على حضور مولانا جلال الدين الرومي في الثقافة العربية منذ فترة بعيدة، كردٍّ على ما يثار من أن العرب والمصريين لا يعرفون عن مولانا سوى النزر اليسير من المثنوي، فأتيت بقطعة واحدة تُرجمت عدَّة مرات من ديوان شمس تبريز، على أن جهود المصريين خاصة في الاحتفاء والاهتمام بما يقوله مولانا أكبر من أن تُنكر إلا ممن أغمض عينه عن رؤية الشمس، ولعلي في مقالي آخر أخصص بحثًا يحصر كل ما كُتب عن مولانا جلال الدين الرومي بالعربية في مصر، بدءًا من كتابات عزَّام والشواربي، وانتهاء بما كتبه تلامذة الدّسوقي شتا، نفعنا الله بعلوم مولانا في الدارين وتقبَّل اللهم من كل محبِّيه.
*** *** ***

 

horizontal rule
 [1] يروي الأفلاكي أن أمير شيراز أرسل إلى الشاعر الفارسي سعدي أن ينتقي أطيب غزلية في الشعر الفارسي، وأن يُراعي في اختيارها أن تكون غنية بأسمى الأفكار وأعلى المعاني، فاختار سعدي غزلية من ديوان "جلال الدين" وقدَّمها إليه، قائلاً: إن جمال الكلمات التي صيغت فيها هذه الغزلية جعلتها بحيث لم يستطع أحد في الماضي أن يقول مثلها، ولن يستطيع أحد في المستقبل أن يبلغ مبلغها، وليتني أستطيعُ أن أذهب إلى بلاد الروم لأمسح وجهي بتراب أقدام من قالها! ولعل ما يقوله سعدي يصدق جدًّا على هذه الغزلية المختارة ففيها يتخطَّى الرومي كل الحدود التي وضعتها الفرق ويخلق عالمًا أرحب من الأيديولوجيات.
[2]قضى المستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون في دراسة مولانا جلال الدين الرومي ثلاثين عامًا، خمسة وعشرين عامًا منها في نشر المثنوي وإعداد ترجمة إنجليزية لأجزائه الستة وألحقها بشروح وتعليقات، كما ترجم غزليات كثيرة من ديوان شمس تبريز، وقد رأى أن طول صحبته لمولانا لم تزده إلا تقديرًا لشخصيته الفريدة.
 [3]في مقاله المعنونُ بـ مات أستاذنا عدَّد الأستاذ عبد الرحمن بدوي لأبي العلا عفيفي أكثر من ثلاثين أثرًا بين مقالة وكتاب وتأليف وترجمة وتحقيق خلفها عفيفي كان أغلبها في التَّصوف ما بين درس لابن عربي، وأفكار صوفية، وجماعات كالملامتية، وقد وصفه بدوي بأنه "كان هادئ الطبع، دمث الأخلاق، كثير الأناة، وكان يُتقنُ كل ما يتوفَّر عليه من بحث، ويبذل فيه كل ما يملك من جهد وتفكير... وكان تلميذًا نجيبًا للأستاذ نيكلسون وقد ساعده في تدريس اللغة العربية في كمبردج. وقد ظل عفيفي رحمه الله طوال حياته العلمية الحافلة مؤمنًا بهذا الدور العظيم الذي كان للتصوف الإسلامي في تشكيل الحياة الروحية في الإسلام.
  [4]يقول مولانا في ديوان شمس تبريز: كل جنسٍ يمزِّقُ قيوده ليصل إلى مثيله؛ فلأي جنسٍ أنا أنتمي؟ وقد أصبحتُ أسيرًا في هذه الشبكة هنا؟ أنا في الماء، في الأرض، في النار، في الهواء، وهذه الأربعة تكون حولي، ومع ذلك فأنا لستُ من هؤلاء الأربعة. أحيانًا أكون تركيًّا وأحيانًا هنديًّا وأحيانًا روميًّا وأحيانًا زنجيًّا؛ ذلك الأمر يتوقَّف على ما تصوِّره أنت في الأرحام يا روحي، هذا ما أومن به أو لا أؤمن!

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة




درسٌ من دروس مولانا جلال الدين الرومي
المصدر: المثنوي، مج 2
الترجمة العربية للأستاذ كفافي .

التردد بين المذاهب المختلفة وإيجاد مخرج وطريقة
للخلاص من ذلك
فهكذا شأن الناس بالنسبة للمعرفة، فكل منهم يصف الموصوف الغيبيّ بإحدى الصفات.
فهذا متفلسف يدلي بشرح من نوع آخر، فيجرّحُ أحدُ الباحثين مقاله.
وثالث يطعن فيهما معا، ورابع يكاد يُسلم الروح نفاقا.
فكلٌّ منهم يدلى بعلامات لذلك الطريق، حتى يُظن أنهم ينتمون الى تلك القرية! فلتعلم هذه الحقيقة:
إن هؤلاء جميعا ليسوا على حق! كما أن هذا القطيع ليس ضالاً من كل الوجوه! 
ذلك لأنه بدون الحق لا يتضح الباطل. فرائحةُ الذهب هي التي أغرت الأبله بزائف النقد [1].
فلو لم يكن النقد الصحيح منتشرا في الدنيا، فهل كان يمكن اصدار النقد الزائف؟
و لو لم يوجد الصدق فهل كان يوجد الكذب؟ فهذا الكذب يتلقى من الصدق نورا (يكشفه) .
ان الأعوج يُشترى على أمل في السوىّ. والسُّم يوضع في السكر، وحينذاك يؤكل.
فلو لم يوجد القمح المحبوب اللذيذ، فماذا كان يجني بائع الشعير الذى يدعى أنه قمح؟
فلا تقل إن جملة هذه الأقوال باطلة، فأهل الباطل هم الأحابيل التي تصيد القلب برائحة الحق!
ولا تقل ان كل هذا خيال وضلال، فليس في العالم خيال بدون حقيقة.
فحقيقةُ ليلة القدر قد احتجبت بين اليالي، حتى تلتمسها الروح في كل ليلة.
فليست كل الليالي هي ليلة القدر، أيها الفتى، كما أن كل الليالي لا تخلو من تلك الليلة.
و بين لابسي الدلق لا بد من فقير واحد، ففتش عنه، ومن وجدته صادقا فتقبله!
فأين المؤمن، صاحب الكياسة والتمييز، الذى يعرف كيف يميز بين الرجل و بين المخنثين!
ولو لم تكن في هذه الدنيا سلعٌ معيبة، لكان (ميسورا) لجميع البُله أن يصبحوا تجارا!
ولكان تقويم البضائع أمرا بالغ اليسر. فحينما لا يوجد العيب، فما الفرق بين القادر (على التقويم) و العاجز عنه؟
ولو كان كل شيء معيبا فلا جدوى من المعرفة، فما دام كل ما هنالك خشب فلن يوجد العود!
فمن يقل ان جملة الأحوال حق فهو أحمق! و من يقل ان جملتها باطل فهو شقىّ!
فالأنبياء بتجارتهم قد حققوا الأرباح وأما تجار الالوان و الروائح فهم عمى تعساء!
فالثعبان يظهر في أعينهم مالا! ألا فلتمسح جيدا كلتا عينيك!
ولا تنظر الى سرورك بهذا البيع والربح، بل انظر الى خسران فرعون وثمود!
حول امتحان كل شيء حتى يظهر ما فيه من خير وشر
إن السماء وهي ذات الرونق والجلال، قال بشأنها الحق: «ثُمَّ ارْجع اَلْبَصَرَ»   .
ولا تقنع بنظرة واحدة من هذا السقف الميز، بل انظر مرات، «هَلْ تَرىٰ منْ فُطُورٍ»   .
وما دام قد أمرك بأن تنظر مرات إلى هذا السقف المضيء نظر الرجل الباحث عن العيوب،  
فقد علمت كم يجب أن يُوجَّه إلى تلك الأرض المظلمة من التأمل والتمييز، لتكون جديرة بالإعجاب!
وكم يجب على عقولنا أن تتحمل من عناء لكي نستخلص أهل الصفاء من بين الكدر! إن تجربه الشتاء والخريف، وحرارة الصيف، والربيع الشبيه بالروح، و الرياح و السحب و البروق، كلها جاءت لتظهر عوارض الفروق، لتخرج الأرض، الترابية اللون كلَّ ما حملته في جيبها من ياقوت و أحجار.
فكلُّ ما سرقته هذه الأرض المظلمة من خزانة الحق، ومن بحر الكرم، (يسألها عنه) شرط التقدير قائلين: «قولي الصدق و اذكري ما أخذته ذرة ذرة   !» فيقول اللص، يعنى الأرض: «لا شيء قط» ، فيأخذ الحاكم في تعذيبها.
فحينا يخاطبها الحاكم بقول لطيف كالسكر وتارة يعلقها في الهواء و يسومها كل ما هو أسوأ من ذلك، حتى تظهر بين القمر واللطف تلك الخفايا، بفعل نار الخوف و الرجاء! فهذا الربيع هو لطف الحاكم ذي الكبرياء، وأما الخريف فهو تخويف الله و تهديده.
وأما الشتاء فهو صليب معنوي، حتى تكشف عن نفسك أيها اللص الخفيّ!
وكذلك يكون للمجاهد زمان لانبساط القلب، وزمان للقبض و الألم و الغش و الضغينة
ذلك لأن أبداننا المفطورة من الماء و الطين، منكرة سارقة نور أرواحنا! والحق تعالى يلقى على أجسادنا الحر و البرد و الألم و العناء أيها الرجل الشجاع.
فالخوف والجوع و النقص في الأموال و البدن كلها من أجل اظهار جوهر الروح!
لقد أطلق هذا الوعد وذاك الوعيد، من أجل الخير والشر اللذين قد امتزجا بإذنه
فما دام الحق والباطل قد امتزجا، والنقد الصحيح قد امتزج بالنقد الزائف في جعبة واحدة، فلا بد لهما من محك أحسن اختياره، ومشهود في امتحان الحقائق، حتى يكون فيصلا ازاء كل مظاهر الزيف، ويكون دستورا لتلك التدبيرات.
فيا أم موسى، أرضعيه ثم ألقيه في اليم ولا تخافي عليه من البلاء!
فكل من شرب من هذا الحليب في يوم: «ألست» ، يستطيع تمييز الحليب، كموسى (في طفولته)  
فإن كنت حريصًا على إعطاء طفلك التمييز فاغذه الآن بالحليب، كما فعلت أم موسى  [2]، حتى يعرف حليب أمه منذ البداية، و لا ينخفض رأسه سعيا الى مربية خسيسة.




[1] حرفيا: «فالأبله قد اشترى زائف النقد على رائحة الذهب» ، اى أنه اشتراه على أمل أن يكون نقدا من الذهب الخالص.
[2] رفض موسى حليب المرضعات، و عرف حليب أمه، كما ورد في قصته بعد أن التقطه آل فرعون.  ( فأرضعيه الآن يا أم موسى» . و في ذلك اشارة الى قوله تعالى: «و أوحينا الى أم موسى أن أرضعيه» . الآية: سورة القصص، ٢٨ : ٧ .

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

السماع عند الفرس والعرب - إسعاد عبد الهادي قنديل



صورة

 السماع عند الفرس والعرب - إسعاد عبد الهادي قنديل
الناشر: نشر خاص بالمؤلف - القاهرة
الطبعة: 2004
392 صفحة
archive||gulfup||mediafire

نبذة المؤلفة:

السماع بمعناه العام يعني الموسيقى والغناء والرقص، وبمعناه الخاص عند أصحاب الوجد والحال من الصوفية يعني الاستماع بأذن القلب إلى الأصوات والألحان في حال من الوجد والغيبة عن النفس، والتصفيق والرقص على انفراد أو في جماعة بآداب ورسوم خاصة.
والسماع من الظواهر التي تلفت النظر في التصوف الإسلامي بعامة، والتصوف الفارسي بخاصة، فهو يمثل جانبا مهما من تصوف عدد من شعراء الفارسية أمثال أبي سعيد بن أبي الخير (م 440هـ)، وجلال الدين الرومي (م 672هـ) وعبد الرحمن الجامي (م 898هـ)، وغيرهم.
وقد عرف السماع بمعناه العام عند الفرس والعرب قبل الإسلام. وفي صدر الإسلام برز هذا اللفظ، وإن تغير مفهومه، فأصبح يعني سماع القرآن الكريم والحداء وأغاني الحجيج والأشعار التي تحث على الجهاد والغزو. غير أن هذا المفهوم لم يلبث أن تطور بعد أن راج الغناء وانتشر بين المسلمين في العصرين الأموي والعباسي، وأصبح السماع يعني الغناء.
وقد دخل السماع بهذا المفهوم الحديد التصوف الإسلامي في وقت مبكر من تاريخه وكثرت فيه أقال شيوخ الصوفية الأوائل وأباحه معظمهم ومارسوه، ولم تمتنع عنه إلا قلة من المتحفظين الذين تابعوا رأي بعض الفقهاء ممن ترددوا في إباحة الغناء، لما يصحبه من عزف على الآلات، والقيام ببعض الحركات التي كانوا ينظرون إليها على أنها اللهو الذي يتجافى عن نصوص الشرع والدين.

محتويات الكتاب:

يتألف الكتاب من مقدمة بعنوان "الفنون في حياة الشعوب (الشعر، الموسيقى، الغناء، الرقص)"، ومن ثلاثة كتب:
- الكتاب الأول: السماع عند الفرس والعرب قبل الإسلام وحتى العصر العباسي: يضم ثلاثة فصول:
الفصل1- الموسيقى والغناء عند الفرس.
الفصل2- انتقال الموسيقى الفارسية إلى العرب قبل الإسلام.
الفصل3- الغناء والموسيقى عند العرب قبل الإسلام.
- الكتاب الثاني: السماع في التصوف الإسلامي من خلال الكتب الصوفية المنثورة: يضم تمهيدا وأربعة فصول:
الفصل1- السماع في المرحلة الأولى.
الفصل2- السماع في المرحلة الثانية.
الفصل3- السماع في المرحلة الثالثة
الفصل4- مفهوم السماع في التصوف.
- الكتاب الثالث: السماع في الشعر الفارسي الصوفي: يضم تمهيدا وثلاثة فصول:
الفصل1- فن الرباعي.
الفصل2- الغزل.
الفصل3- السماع عند أبي سعيد بن أبي الخير.


جزيل الشكر والتحية والتقدير لمنتدى سور الأزبكية الذي وفّر لنا القائمون عليه هذا الكتاب النادر !

ترجمة مختارات من ديوان شمس تبريزي

مختارات من ديوان «شمس تبريزي» 
لمولانا جلال الدين الرومي
ترجمة عاشور الطويبي
المصدر: موقع شيرازيات




جلال الدين الرومي، المشهور بـ«مولانا»، ولد في الطرف الشرقي للإمبراطورية الفارسية، في ما يُعرف الآن بأفغانستان، في مدينة بلخ سنة 1207م. الرومي سليل فقهاء كبار. هرباً من ظلم الاجتياح المغولي نزحت عائلته إلى أن وصلت مدينة قونيا بتركيا. ومن طرائف ما يُروى أن الصوفي الكبير فريد الدين العطار صاحب «منطق الطير» شاهده في دمشق يسير خلف أبيه، فقال: «محيط يسير خلف بحر».
تابع مولانا جلال الدين الرومي عمل أبيه كفقيه ومُفتٍ إلى أن حدث الانقلاب الكبير في تاريخه الشخصي وتاريخ التصوّف وتاريخ الشعر، وكان ذلك عام 1244م حين التقى بشمس التبريزي، فترك وقار الفقيه الشيخ، وساح مع ألحان الناي، يرقص ويحضر في ذرات الكون روحاً صافية وشعراً عظيماً. كتب مولانا في هذا الصحبة، وتشريفاً لها، آلاف القصائد والرباعيات. وحين غُيِّب عنه حبيب قلبه شمس التبريزي (قيل قُتل) بحث عنه طويلاً. كتب مولانا كتابه العظيم الآخر «المثنوي»، الذي ترجم الدكتور عبد السلام كفافي المجلدَين الأولَين منه في سبعينيات القرن الماضي، وترجمه كاملاً تلميذه الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في ستة مجلدات ضخمة. ثمة ترجمات عدّة إلى العربية لمختارات من الديوان الكبير، «ديوان شمس تبريز». وهذه ترجمة أخرى أقدمها لمختارات من هذا الشعر الكوني، عن الإنكليزية من ترجمة الأميركي كولمان باركس والتي هي من أحسن الترجمات في اللغة الإنكليزية.


حان الوقت

حان الوقت لننضمَّ إلى مجانينك
المكبّلين معاً بالسلاسل.
حان الوقت لنكون أحراراً تماماً، ومنبوذين.
حان الوقت لنهب أرواحنا،
لنشعل النار في الهياكل ونركض في الشوارع.

حان الوقت لنتخمَّر.
 كيف نتركُ حوض العالم ونذهب إلى الشفة؟
علينا أن نموت لنصير بشراً حقيقيين.

علينا أن نتغيّر رأساً على عقب
كمشط في قمّة شعر امرأة جميلة.

انشرْ جناحَيك كشجرة ترتفع في الحديقة.
بذرة ملقاة على الطريق،
حجر يذوب إلى شمع، شمعة تصير عثّاً.
على رقعة الشطرنج يبارك الملك ثانية بملكته.

حين تقترب كثيراً وجوهنا من مرآة العشق،
علينا ألا نتنفَّس،
أن ننتقل إلى مكان نقي حيث كان المبنى
ونتحسّس الكنز المخبَّأ فينا.

بلا بداية أو نهاية،
نحيا في العاشقين كما الحكاية التي يعرفونها.

لو أنتَ المفتاح،
سنكون أوتاد القفل.

عاشقٌ أنتَ، والعشق خمّارة

كلّ لحظة يصل العشق من كل جانب
لا مزيد من الفرجة.

نرحل من أجل فراغ نقيّ،
السفر مع الأصحاب الذين عاشرناهم ذات مرّة،
ما بعد الملائكة، ما بعد الروحانية، إلى مدينة العظمة مدينتا.

حمِّل. قلْ وداعاً لهذا المكان المغبر،
حظّ فتيّ يسافر أمامنا.

التنازل عن الروح أساس عمل هذه القافلة،
بوجود المختار دليلاً،
الذي جاء القمر يستجديه.

صبيّة متواضعة، رقيقة تتبع عطر شعره.
ينشقُّ القمر. نمرُّ عبره،
طيور الماء ترتفع عالياً لتبحث عن بحيرة أخرى.

أو قل إننا نعيش في بحر العشق،
حيث تعمل الثقة لسدّ قارب الجسد،
لتجعله يدوم لبرهة،
إلى تحطم السفينة المحتوم،
الزواج الكلّي، الموت - الاتحاد.

ذُبْ في الصحبة كسكرانَين يختصمان.

لا تبحث عن العدالة هنا
في الغابة تمنحك روحك الحيوانية
نصيحةً خبيثةً.

اشربْ ما يكفي من الخمر حتى تتوقف عن الكلام.
عاشق أنت، والعشق خمّارة
حيث لا أحد يقوم بعمل ذي معنى.

حتى لو أن الذي تقوله شِعراً
سميكاً كسماكة أكياس سليمان المليئة بالذهب،
لا مغزى له.


تلك أسماؤنا أيضاً

نحن موجة الدفء
في شتاء عنيد.

نحن الشمس،
بكل ألوان الضوء.
نحن الريح.
اليمامات عندما تصيح «كو»،
أين،
تبحث عنا.

العنادل والببغاوات
تبدّل أماكنها
آملة أن تكون قريبة منا.

وصلت كلمة منّا
إلى السمك.
مالت وقفزت.

مِن تلك الإثارة
تواصل الأمواج المجيء.
وأُعطيتْ للروح آذان
لتسمع الأشياء
التي يعجز العقل عن فهمها.

في عالم الروح العظيم،
اسم «محمد»
يُنادَى مع أصحابه الأربعة،
أبو بكر، عمر، عثمان، وعلي.

تلك أسماؤنا أيضاً.
خرجنا من العبودية
بأكوام من قصب السكَّر.
لا حاجة لذكر مصر.

حلاوة حديثنا معاً
هو ما نلوكه ونُحضِّره للعالم.


القدح والجرّة والنهر

البعض يتحدّث عن
القدح والجرّة والنهر
وكيف يعتمد كل منها على الآخر.

ما يسيل في النهر
يملأ القدح،
لكن الخزّاف فقط
مَن يعرف حال القدح.
واحد يشرب من الآخر.

نعلم ما كان
في ماذا
بمَ ترسَّبَ.
بعض الناس السذّج
لم يقتربوا بما يكفي
ليشمّوا المِسك،
هم غير قادرين على الحكم.

مع ذلك يفعلون،
وآخرون يكرّرون
جهلهم.
ماذا نُسمِّي ذلك؟

مرّة أخرى
عطر من جرّة
يقود آلاف الأتراك إلى الجنون،
وكذلك الهندوس،
أو ساحرة تَركَب الجرّة
من مدينة إلى مدينة
ساحرة تضحك على
ساحرات بدون جرار.

حسناً أن تتبع عطراً
تمسكه بنفسك
على طريقك، وحيداً.
دعه يأخذك إلى وجه
مَنْ هرب
من الجرار والأقداح.

لقد سمعت القول القديم
بين السكارى،
أنا عمّ الجرّة.

جدْ واحداً مثل هذا
واجلسْ بجانبه.
لن تكون هناك
ثرثرة غير خبيرة،
ربما لا كلمات.

يترسَّب الصمتُ
في الجرّة الفارغة
كعطر،
كنهر
في فيضان ربيعي.
تلك هي الجرّة
التي كنتَ تبحث عنها.


أنت أيها الفقير، استرخِ قليلاً

أنت أيها الفقير، استرخِ قليلاً.
عقولنا قد توجَّهت إلى الملجأ.

حافّة الجرّة،
الأحمرُ المعتم،
المدينةُ تحترق.
هذا المشط لا ممسك له،
أسنان كلّه.

كل لحظة شمعة
هناك عثّ جديد.
بعض الناس عندما يسمعون
كيف
يجنّ العقل في العشق،
يغلق.

تنقبض قلوبهم.
بلبلة مستسلمة
من بغض الفكر لها
يبتكر مفتاحاً مصنوعاً
من النار
ليحطم
القفل،
الباب،
وكل البيت.

قد مضى من قبل،
جنون العشق
ولم يتبقَّ شيء،
لا حجرات،
لا باب،
لا قفل،
فقط
ملجأ الأصدقاء هذا
المستهوي الساقط
الذي نُسمِّيه شمساً.


لا موت للعاشقين

الحزن الرهيب أنكَ بشر،
لنشربه كلّه، ولكن بفرْقٍ.

نجلس مع الجنيد والبسطامي.
القمر الصاعد لا يمكن تغطيته بسحابة.

لا موت للعاشقين.
مَن الأنا؟
صبيّة رقيقة
تنسلّ إلى الخارج
عندها نسلّ سيف عمل نكران الذات.
هذه الأرض تأكل الرجال والنساء،
مع ذلك بُعثنا لنأكل العالم،
هذا المكان الذي يحاول خداعنا بـ غداً.
انتظر إلى الغد،
الذي نغلبه بالاستمتاع بالآن فقط.

نجتمع في الليل لنحتفل أننا بشر.
أحياناً ندعو الخارجين على القانون إلى الدفّ.

يشرب السمك البحر،
ولا يصير البحر أصغر.
نأكل الغيوم وضوء المساء.
نحن عبيدٌ نذوقُ الخمر الملكي.

جرّة النبيذ في يمينه

روح هذه الجماعة قادمة نحونا،
الشمس على جبهته،
جرّة النبيذ في يمينه،
خطوة بخطوة.

لا تفسد هذه الفرصة
بالتأدُّب والأماني السهلة.
العون الذي طلبناه موجود هنا،
الدعوة للانضمام إلى الأرواح العظيمة.

كل مكان نجتمع فيه
يصير طقساً
على الطريق إلى الكعبة، ما يعني:
اعبرْ سريعاً خلل كينونتك إلى الغياب.

ذاتُ اسمك والشهرةُ يحميانك
مع عروة جديدة كل لحظة.

الهويَّة الشخصية
غمد.
خالق ذلك،
سيف.
حدّه ينزلق إلى الداخل
ويُوحِّد، الغطاء المتهالك
فوق الصلب اللامع،
عشق يُطهِّر عشقاً.


كنتُ ذات يوم غصناً
أخضرَ في الريح

هل تسمع
ما تقوله الآلة الوترية
عن الشوق؟

الشيء ذاته كعود،
كنتُ ذات مرة
غصناً أخضرَ
في الريح.

كلنا بعيدون
عن وطننا.
اللغة
جرس قافلتنا.

لا تتوقف في
أي مكان.
لحظة أن
تتعلّق بمكان،
يُصيبك
الملل منه.

فكّر في التغيرات الكبيرة التي أنجزتها،
من خلية واحدة إلى بشر سويّ.
أبقِ قدمك خفيفةً،
واستمرّ في المسير.

التركي،
العربي،
اليوناني،
كلّ لسان
ريح كانت ماءً.

كما يحمل النسيم
البحر في داخله،
لذا
تحت كل جملة،
«عُدْ إلى المصدر».
العثّ
لا يتجنَّب اللهب.
الملك
يعيش في المدينة.

لِمَ
أحافظ على
رفقة البوم
في المباني الخربة؟

إذا تصرَّف حمارك بجنون ولم يعمل،
استعملْ سوط الثور على رأسه.
سيفهم.

لا تحاول ملاطفته
ليعود إلى رشده.
اضربْه.


الأشجار

الربيع،
لا أحد يبقى ساكناً،
مع كل الرسائل
التي تصل.

نخرج كأننا ذاهبون
للقاء زوّار،
ورود برّية،
أزهار الماء.

ترتخي عقدة محكمة.
شيء ما
كان قد مات
في ديسمبر
يرفع رأساً ويتفتّح.
الأشجار،
القبيلة تجمعها.
مَن لديه فرصة ضدَّ
حشدٍ فخمٍ كهذا؟

قبل هذه القوّة،
البشر كرات جاهز للقطع،
هاموش يطوّح به بعيداً.

الأشجار في صلواتها، الطير في مديحها

إلهي، للهواء رائحة طيّبة هذا اليوم،
مباشرة من غموض أعماق الريف،
رشاقة كألبسة جديدة قُذفت عبر الحديقة،
طبّ مجاني لكل واحد.

الأشجار في صلواتها،
الطير في مديحها،
أوائل البنفسج ساجدة.
كل ما يأتي من الكائن
يعلق في الكائن،
محتاراً، ناسياً
طريق العودة.

رجل يلتفت
ويرى ولادته
يجرُّ نفسه بعيداً
عن الآخرين.
يمتلئ بالضوء،
والألوان تتبدَّل هنا.
يتجرّعها،
وكلّ واحد يسطع بجماله.
لا أقدر على القول
أنني أشعر بألم الآخرين،
عندما يبدو العالم كلّه
بالغ العذوبة.

وجهاً لوجه مع أسد،
أصيرُ لبوة.
أخرج من بيت المال،
 أشعر بالسخاء.
كل من بقي صاحياً في هذا الطقس
لا بدَّ أنه خائف من الناس،
خائف مما سيقولون.

يكفي كلاماً.
لو نأكل الكثير
من الخضار،
سنفوح كما تفوح
الخضروات.

عن الرومي بالعربية

نثر حرف ناطق بالعربية عن لسان بالفارسية... #الرومي_بالعربية